والتحقيق أن صفه الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة وسائر ما يسميه الأشاعرة صفات المعاني ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافا للمعتزلة . فان معاني هذه الصفات كلها بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر محال على اللّه تعالى إذ العلم بحسب مدلوله اللغوي هو صورة المعلومات في الذهن ، التي استفادها من إدراك الحواس أو من الفكر ، وهي بهذا المعنى محال على اللّه تعالى ، فاز علمه تعالى قديم بقدمه غير عرض منتزع من صور المعلومات . وكذلك يقال في سمعه تعالى وبصره وقد عدوهما من صفات المعاني القائمة بنفسه ، والرحمة مثلها في هذا
فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف اللّه تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات الخلق الثابت عقلا ونقلا بقوله عز وجل
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
فنقول إن للّه علما حقيقيا هو وصف له ولكنه لا يشبه علمنا ، وان له سمعا حقيقيا هو وصف له لا يشبه سمعنا ، وإن له رحمة حقيقية هي صفة له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى فنجمع بذلك بين النقل والعقل . وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من المجاز المرسل أو الاستعارة التمثيلية كما قالوا في الرحمة والغضب وأمثالهما دون العلم والسمع والبصر وأمثالهما فهو تحكم في صفات اللّه وإلحاد فيها ، فاما أن تجعل كلها من باب الحقيقة مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالايمان بمعنى الصفة العام مع التنزيه عن التشبيه وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتبار أن واضع اللغة وضع هذه الالفاظ لصفات المخلوقين فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم شبهها بها من باب التجوز .
وقد عبر الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى عن هذا المعنى أفصح تعبير فقال في كتاب الشكر من الاحياء : ان اللّه عز وجل في جلاله وكبريائه صفة يصدر عنها الخلق والاختراع ، وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها فلم يكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى