المسلم المتعبد بالفاتحة المكرر لها في صلاته على العناية بتكميل نفسه بتحرى التزام الحق وعمل الخير ، بأحكام العلم وتربية النفس والتمرن على العمل الصالح .
هذه السورة الجليلة التي ذكرناك أيها القارئ بمجمل مما فصلناه في تفسيرها يزعم أحد دعاة النصرانية في هدا العصر أنها بمعزل من البلاغة بأن كل ما بعد الصراط المستقيم فيها « حشو وتحصيل حاصل » وما قبله يمكن اختصاره بما لا يضيع شيئا من معناء ، كما فعله بعضهم - قال هذا القول داعية من المبشرين المأجوزين من قبل جمعيات التبشير الإنكليزية والاميركانية في كتاب لفقه في إبطال إعجاز القرآن بزعمه ، بل أنكر بلاغته من أصلها قال :
« وما أحسن قول بعضهم أنه لو قال : الحمد للرحمن ، رب الأكوان ، الملك الديان ، لك العبادة وبك المستعان ، اهدنا صراط الإيمان . لأوجز وجمع كل المعنى وتخلص من ضعف التأليف والحشو والخروج عن الردىء كما بين الرحيم ونستعين » ا ه
أقول لقد كان خيرا لهذا المتعصب المأجور لإضلال عوام المسلمين على شرط أن لا يذكر اسمه في كتيبه ، ولا يفضح نفسه بين قومه ، أن يختصر لمستأجريه آلهتهم وكتبهم التي صدت جميع مستقلى الفكر من أقوامهم وشعوبهم عن دينهم بل صدت بعضهم عن كل دين ، فان اختصار الدراري السبع في السماء ، أهون من اختصار آيات الفاتحة السبع في الأرض . وحسب العالم من فضيحته إيراد سخافته هذه وتشهيره بها لو كان حيا يمشى بين الناس .
وأما العامىّ الجاهل ، الذي قد يغتر بقول كل قائل ، ولا سيما إذا كان في الطعن بغير دينه ، فربما يحتاج إلى التنبيه لبعض فضائح هذا الاختصار ، وإن كانت لا تخفى على أولى الأبصار ، ونكتفي منه بما يلي :
( 1 ) إن أول شئ اختصره هذا الجاهل المتعصب وجعل ذكره مطعنا في فاتحة القرآن اسم الجلالة الأعظم ( اللّه ) الذي لا يغني عنه سرد جميع أسماء اللّه الحسنى ! فإنه هو اسم الذات ، الملاحظ معه اتصاف تلك الذات بجميع صفات الكمال إجمالا
( 2 ) إنه اختصر اسم الرحيم وقد بينا فائدته وأن اسم الرحمن لا يغنى عنه ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 79
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٧٩