تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
الدالتين على ما يجب عليهم من شكره وتخصيصه بالعبادة والاستعانة ، والتوجه إليه في طلب كمال الهداية ، وهاتان الصفتان هما الربوبية والرحمة . فبدء فاتحة القرآن بذكرهما في البسملة ثم في أثناء السورة مرشد لما ذكر ، مذكر للمصلى وللتالي به . وكذا بدء كل سورة منه بالبسملة التي لم يوصف اسم الذات ( اللّه ) فيها بغير الرحمة الكاملة الشاملة . هو إعلام منه سبحانه بأنه أنزله رحمة للعالمين ، كما قال مخاطبا لمن أنزله عليه
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ )
ولذلك لم تنزل البسملة في أول سورة التوبة التي فضحت آياتها المنافقين ، وبدئت بنبذ عهود المشركين ، وشرع فيها القتال بصفة أعم مما أنزل فيما قبلها من أحكامه وهذا الذي شرحناه يفند زعم بعض المتعصبين الغلاة في ذم الاسلام بالهوى الباطل أن رب المسلمين رب غضوب منتقم قهار ، ودينهم دين رعب وخوف ، بخلاف دين النصرانية الذي يسمى الرب أبا للاعلام بأنه يعامل عباده كمعاملة الأب لأولاده . وقد أشار شيخنا إلى هذا الزعم وفنده في تفسير اسم الرب . وسنذكر في فائدة أخرى المقابلة بين صلاة المسلمين بقراءة الفاتحة وصلاة النصارى بالصيغة المعروفة عندهم بالصلاة الربانية ، وثبت في الحديث الصحيح إن الرب أرحم بعباده من الأم بولدها الرضيع ، وان جميع ما أودعه في قلوب خلقه من الرحمة جزء من مائة جزء من رحمته تبارك وتعالى ويجد القارئ تفصيل القول في سعة الرحمة الإلهية في تفسير قوله عز وجل ( 7 : 156
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )
من سورة الأعراف

( تفسير صفة الرحمة على مذهب السلف )

ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة ( ص 46 ) تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسريهم كالزمخشرى والبيضاوي ذهولا . ومحصله أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعاني القائمة بذاته تعالى لاستحالة معناها اللغوي عليه فيجب تأويلها بلازمها وهو الاحسان فتكون من صفات الأفعال كالخالق الرازق . وقال بعضهم يمكن تأويلها بإرادة الاحسان فترجع إلى صفة الإرادة فلا تكون صفة مستقلة . وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدى السلف الصالح .