تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
قلوبهم ، ولذلك قرن سبحانه صفة الربوبية بصفة الرحمة وعبر عنها باسمين لا باسم واحد : اسم الرحمن الدال على منتهى الكمال في اتصافه بها ، واسم الرحيم الدال على أنها من الصفات النفسية المعنوية مع تعلقها بالخلق تعلقا تنجيز يا كقوله تعالى ( 4 : 28
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً *
33 : 43
وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً )
وبهذا التفسير ضممنا في التفرقة بين الاسمين ما قاله المحقق ابن القيم إلى ما قاله شيخنا رحمهما اللّه . وأما دلالة صفتي الربوبية والرحمة على جميع معاني صفات الأفعال الإلهية فظاهر فان رب العباد هو الذي يسدى إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شؤونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى كالخالق الباري المصور القهار الوهاب الرزاق الفتاح القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم الرقيب المقيت الباعث الشهيد المحصى المبدىء المعيد المحيى المميت المقدم المؤخر المغنى المانع الضار النافع وأمثالها . والرحمن في ذاته الرحيم بعباده لا بد أن يكون توابا غفورا عفوا رؤوفا شكورا حليما وهابا إذا علمنا هذا تجلت لنا حكمة وصف اللّه تعالى في أول فاتحة الكتاب العزيز بالربوبية والرحمة الدالتين على جميع صفات الأفعال دون الحياة والقيومية الدالتين على صفات الذات وغيرها - وهي واللّه أعلم بمراده أن الفاتحة ينظر فيها من وجهين ( أحدهما ) ما دل عليه اسمها هذا أعنى كونها فاتحة ومبدأ للقرآن ( وثانيهما ) أنها قد شرعت للقراءة في الصلوات كل يوم ، وكل منهما يناسبه البدء بذكر ربوبية اللّه ورحمته ذلك بأن القرآن كما قال اللّه في أول سورة البقرة
( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ )
الخ الآيات . فهم الذين يتلونه حق تلاوته ، وهم الذين يتدبرونه ويتعظون به ، وهم
( الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ )
فالمناسب في حقهم أن تكون السورة الأولى وهي المثاني التي يثنونها دائما في صلاتهم وفي بدء أورادهم القرآنية المسماة بالختمات مبدوءة بذكر الصفتين الجامعتين لمعاني الصفات التي تتعلق بتدبير اللّه سبحانه لشؤونهم ، وبعدله في الحكم بينهم فيما يختصمون فيه ، وبمجازاتهم على أعمالهم ، وبرحمته لهم وإحسانه إليهم ،