تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
والاثنان الآخران فعليان وهما الرب والرحمن والرحيم ، وبتعبير أظهر أو أصح اثنان منهما لا يتعلقان بتدبير الخلق واثنان يتعلقان به ، فالحي ذو الحياة وهي بأعم معانيها الصفة الوجودية التي هي الأصل في معقولنا لجميع صفات الكمال في الوجود من صفات ذات وصفات أفعال كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام وهي الصفات التي يسميها علماء الكلام صفات المعاني ويجعلون عليها مدار معرفة اللّه تعالى مع الصفات السلبية التي يراد بها تنزيهه سبحانه وتعالى عما لا يليق من النقص ومشابهة الخلق وكالرحمة والحلم والغضب والعدل والعزة والخالقية والرازقية الخ وكمال الحياة يستلزم الاتصاف بهذه الصفات وبغيرها من صفات الكمال . والحياة في الخلق قسمان : حسية ومعنوية ، فالأولى الحياة النباتية ، والحياة الحيوانية ، ولكل منهما صفات لازمة لها أعلاها في الحياة الثانية حياة الإنسان التي من خواصها العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك مما يفقده بالموت . والثانية الحياة العقلية والعلمية والروحية الدينية . ومن الشواهد القرآنية على هذه الحياة قوله تعالى
( لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا )
وقوله
( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ )
وكمال هذه الحياة للبشر لا يكون إلا في الآخرة وإنما يكون الاستعداد له في الدنيا بتزكية النفس بالعلم والعمل . وحياة الخالق تعالى أعلى وأكمل من حياة جميع خلقه من الجن والإنس والملائكة وهي لا تشبهها
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
وإنما نفهم من إطلاقها اللغوي مع التنزيه أنها الصفة الذاتية الواجبة الأزلية الأبدية التي يلزمها اتصافه بما وصف به نفسه من صفات الكمال بدونها فهي لا يتوقف تعقلها على غيرها من الصفات ويتوقف تعقل جميع الصفات عليها وعبر عنها بعضهم بأنها تصحح له الاتصاف بصفات المعاني . وأما القيوم فأحسن ما قيل في تفسيره ما في معجم ( لسان العرب ) وهو القائم ( أي الثابت المتحقق ) بنفسه مطلقا لا بغيره وهو مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شئ ولا دوام وجوده إلا به ا ه . وسبقه إلى مثله غيره . وقولهم « القائم بنفسه » بمعنى قول المتكلمين « واجب الوجود » أي الذي وجوده ثابت لذاته غير مستمد من وجود آخر فهو يستلزم القدم الذي لا أول له والبقاء
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 73 | الشيخ محمد رشيد رضا