تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
* * * بين في الآيات السابقة حقيقة ملة إبراهيم في سياق دعوة العرب إلى الاسلام ثم أشرك معهم أهل الكتاب لأنهم أقرب إلى الإيمان بإبراهيم وأجدر بإجلاله واتباعه ، وانتقل الكلام بهذه المناسبة إلى بيان وحدة الدين الإلهى واتفاق النبيين في جوهره ، وبيان جهل أهل الكتاب بهذه الوحدة ، وقصر نظرهم على ما يمتاز به كل دين من الفروع والجزئيات ، أو التقاليد التي أضافوها على التوراة والإنجيل فبعد بها كل فريق من الآخر أشد البعد ، وصار الدين الواحد كفرا وإيمانا ، كل فريق من أهله يحتكر الايمان لنفسه ويرمى الآخر بالكفر والإلحاد . وإن كان نبيهم واحدا وكتابهم واحدا . فقوله تعالى
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
بيان لعقيدة الفريقين في التفرق في الدين والضمير في
( وَقالُوا )
لأهل الكتاب و « أو » للتوزيع أو التنويع ، أي إن اليهود يدعون إلى اليهودية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها والنصارى يدعون إلى النصرانية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها - وهذا الأسلوب معهود في اللغة - ولو صدق أي واحد منهما لما كان إبراهيم مهتديا لأنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، وكيف وهم متفقون على كونه إمام الهدى والمهتدين لذلك قال تعالى ملقنا لنبيه البرهان الأقوى في محاجتهم
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أي بل نتبع أو اتبعوا ملة إبراهيم الذي لا نزاع في هداه ولا في هديه ، فهي الملة الحنيفية القائمة على الجادة بلا انحراف ولا زيغ . العريقة في التوحيد والاخلاص بلا وثنية ولا شرك . والحنيف في اللغة : المائل . وإنما أطلق على إبراهيم . لأن الناس في عصره كانوا على طريقة واحدة وهي الكفر ، فخالفهم كلهم وتنكب طريقتهم ولا يسمى المائل حنيفا إلا إذا كان الميل عن الجادة المعبدة وفي الأساس : من مال عن كل دين أعوج . ويطلق على المستقيم ، وبه فسر الكلمة بعضهم وأورد له شاهدا من اللغة وهو أقرب . ومن التأويلات البعيدة : ما روى من تفسير الحنيف بالحاج ووجه القول به أنه مما حفظ من دين إبراهيم . الأستاذ الإمام : قال بعض المشغلين بالعربية من الإفرنج إن الحنيفية هي
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 480 | الشيخ محمد رشيد رضا