وعلم من هذا أن لفظ الاسلام والمسلمين في كلام إبراهيم وإسماعيل ويعقوب يراد به معناه الذي تقدم ، فمن لم يكن متحققا بهذا المعنى فليس بمسلم أي ليس على دين اللّه القيم الذي كان عليه جميع أنبياء اللّه . وأما لفظ الاسلام في عرفنا اليوم فهو لقب يطلق على طوائف من الناس لهم مميزات دينية وعادية تميزهم عن سائر طوائف الناس الذين يلقبون بألقاب دينية أخرى . ولا يشترط في إطلاق هذا اللقب العرفي عند أهله أن يكون المسلم خاضعا مسلما لدين اللّه مخلصا له أعماله ، بل يطلقونه أيضا على من ابتدع فيه ما ليس منه ، أو ما ينافيه ، ومن فسق عنه واتخذ إلهه هواه . ومعنى الاسلام الذي دعا إليه القرآن تقوم به الحجة على المشركين ، ويعترف به اليهود والنصارى لأنه روح كل دين ، وهو الذي دعا إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والدعوة إلى اللقب لا معنى لها . قال الأستاذ الامام : بعد تقريره هذا المعنى : وبه يظهر خطأ من خصص الرغبة عن ملة إبراهيم بالميل إلى اليهودية أو النصرانية
ومن مباحث اللفظ في الآية أن « أم » تستعمل في الاستفهام إذا كان مبنيا على كلام سابق كما هنا لما فيها من الاشعار بالانتقال ففيها معنى الاضراب
* * *
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
أقول : الأمة هنا الجماعة من الناس والمشار إليه يعقوب وآباؤه وأبناؤه . وإذا بدأت بالأفضل قلت إبراهيم وأولاده وأحفاده المذكورون في الآية السابقة .
( قَدْ خَلَتْ )
مضت وذهبت من هذا العالم
( لَها ما كَسَبَتْ )
من عمل تجزى به ،
( وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ )
من عمل تجزون به ، ولا يجزى أحد بعمل غيره
( وَلا تُسْئَلُونَ )
يوم الحساب والجزاء
( عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ )
سؤال حساب وجزاء ، ولا يسئلون عما تعملون كذلك ، بل كل يسئل عن عمله ويجازى به دون عمل غيره ، فلا ينتفع أحد بعمل غيره ولا يتضرر به من حيث هو عمله ، إلا أنه قد ينتفع أو يتضرر بعمل غيره إذا كان هو سببا له لأنه أرشده إليه وكان قدوة له فيه
( الأستاذ الامام ) جاءت هذه الآية الكريمة بعد الكلام عن وصية إبراهيم لبنيه وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لبنيهم استدراكا على ما عساه يقع في أذهان ذرارى هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسّلام من أن هذا السلف الذي له