تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
وَإِسْحاقَ
عرفوا الاله بالإضافة إلى آبائهم لأنهم هم الذين انفردوا بعبادة رب العالمين خالق السماوات والأرض وحده ، ودعوا الأمم إلى ذلك في وقت فشت فيه عبادة آلهة كثيرين من الكواكب والأصنام والحيوانات وغيرها ، ولذلك قال سحرة موسى عندما آمنوا
( آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ * رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ) *
وإسماعيل عم يعقوب ذكر مع آيائه للتغليب أو لتشبيه العم بالأب ، كما في حديث « عم الرجل صنو أبيه » رواه الشيخان . والجمع بين الحقيقة والمجاز جائز يكثر في القرآن وفاقا للشافعي وابن جرير الطبري وخلافا لجمهور الأصوليين
إِلهاً واحِداً
أي نعبده حال كونه إلها واحدا ، أو نخص بالعبادة إلها واحدا لا نشرك معه أحدا بدعاء ، ولا توجه في قضاء حاجة ولا غير ذلك من العبادات
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
أي والحال أننا نحن منقادون مذعنون مستسلمون له وحده دون غيره كما يدل عليه تقديم الظرف « له » وقال الأستاذ الامام في الآية ما معناه : خلاصة هذه الوصية عقيدة الوحدانية في العبادة واسلام القلب للّه تعالى والاخلاص له . وتكرار لفظ ( الاسلام ) في هذه الآيات يراد به تقرير حقيقة الدين . ذلك أن العرب كانت تدعى أن لها دينا خاصا بها وأنه الحق ، وإن اختلفت فيه القبائل والشعوب ، ومنهم من كان ينتمى إلى إبراهيم على وثنيتهم ، وكذلك اليهود والنصارى كل يدعى دينا خاصا به وأنه الحق ، فبينت هذه الآيات أن هذه الدعاوى من التعصب للتقاليد وأن دين اللّه تعالى واحد في حقيقته ، وروحه التوحيد والاستسلام للّه تعالى والخضوع والاذعان لهداية الأنبياء ، وبهذا كان يوصى أولئك النبيون أبناءهم وأممهم . فتبين أن دين اللّه تعالى واحد في كل أمة وعلى لسان كل نبي ، ولذلك قال في آية أخرى ( 43 : 13
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ )
فالتفرق في الدين ما جاء إلا من الجهل والتعصب للأهواء ، والمحافظة على الحظوظ والمنافع المتبادلة بين المرءوسين والرؤساء ، فالقرآن يطالب الجميع بالاتفاق في الدين والاجتماع على أصليه ، العقلي وهو التوحيد والبراءة من الشرك بأنواعه ، والقلبي وهو الاسلام والاخلاص للّه في جميع الأعمال .