عند اللّه هذه المكانة يشفع لهم فينجون ويسعدون يوم القيامة بمجرد الانتساب إليهم . فبين اللّه في هذه الآية أن سنته في عباده أن لا يجزى أحد إلا بكسبه وعمله ولا يسأل إلا عن كسبه وعمله . وقد بين في سورة النجم أن هذه القضية من أصول الدين العامة التي جاء بها الأنبياء من قبل
( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى )
الخ .
وبين في آيات متعددة في سور متفرقة ، أن المرسلين لم يرسلوا إلا مبشرين ومنذرين ، فمن آمن بهم وعمل بما يرشدون اليه كان ناجيا ، وإن بعد عنهم في النسب ، ومن أعرض عن هديهم كان هالكا وإن أدلى إليهم بأقرب سبب ( قال 11 : 45
يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ )
وإذا لم تنتفع بهم ذرياتهم الذين لم يقتدوا بهم فكيف ينتفع بهم أولئك البعداء الذين ليس بينهم وبينهم صلة إلا الأقوال الكاذبة التي يعبر عنها أهل هذا العصر ( بالمحسوبية ) ويقولون في مخاطبة أصحاب القبور عند الاستغاثة بهم « المحسوب كالمنسوب » وما أحسن قول الإمام الغزالي : إذا كان الجائع يشبع إذا أكل والده دونه ، والظمآن يروى بشرب والده وإن لم يشرب فالعاصى ينجو بصلاح والده . والآيات التي تؤيد هذه الآية كثيرة جدا فهي أصل من أصول الدين الإلهى لا يفيد معها تأويل المغرورين ، ولا غرور الجاهلين
* * *
( 135 )
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ