تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
ويؤتى الزكاة ويحج البيت منهم إلا أقلهم ، ولهم في عبادتهم الباطلة أخشع منهم في عبادتهم المشروعة ، ولكن اللّه أراد بقاء هذا الدين وحفظه وسيرجع إلى كتابه الراجعون ، ويهتدى به المهتدون ولو كره المقلدون ، وعند ذلك تنقشع ظلمات هذه البدع التي هم فيها يتخطبون . وقد توهم بعض العلماء أن هذا الجواب
« بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ »
الخ جاء على طريقة الإقناع وليس حجة حقيقية ، ووجهوه بقولهم : إن أهل الكتاب يعاندون الحق ويكابرون في معجزة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأمر اللّه نبيه بأن يلزمهم بالدلائل الاقناعية التي لا يقدرون على مكابرتها والمراء فيها . والحق أن هذا الجواب حجة حقيقية ، وقد أشرنا إلى وجهها الوجيه أول الكلام في تفسير الآية . وقد تجرأ كثير من العلماء على مثل هذا الكلام في كثير من الآيات التي احتج بها القرآن حتى في إثبات الوحدانية والسبب في ذلك : افتتانهم بالطريقة النظرية التي أخذوها عن كتب اليونان ، ولقد اهتدى بحجج القرآن الألوف وألوف الألوف وقلما اهتدى بتلك الأدلة النظرية المحضة أحد من الناس وإنما تفيد في دفع شبهاتهم التي يوردونها على العقائد ، ولا فائدة فيها سوى المراء والجدل . وقد محيت في عصرنا تلك الشبهات ، ورغب الناس عن هاتيك النظريات ، وقام بناء العلم على أسس الوقائع والحوادث والمجربات . وقال الجلال : ان الآية نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران فهم القائلون ما ذكر . والتحقيق أن الآية في بيان طبيعة أهل الملتين كما تقدم ، وقول يهود المدينة ونصارى نجران ما ذكر - إن صح - لا يقتضى التخصيص فإنهم ما قالوا إلا ما هو لسان حال ملتهم . وغيرهم يقول مثل قولهم ، أو يصدق القائلين باعتقاده وسيرته أمر اللّه النبي بان يدعو إلى اتباع ملة إبراهيم ثم أمر المؤمنين بمثل ذلك فقال * * *
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ
أي لا تكن دعوتكم إلى شئ خاص بكم يفصل بينكم وبين سائر أهل الأديان السماوية بل انظروا إلى جهة الجمع والاتفاق ، وادعوا إلى أصل الدين وروحه الذي لا خلاف فيه ولا نزاع ، وهو التسليم بنبوة جميع الأنبياء والمرسلين ، مع