واحدة لئلا تموتوا فيها فتموتوا غير مسلمين ، فإن الإنسان لا يضمن حياته بين الشهيق والزفير . ويتضمن هذا النهى إرشاد من كان منحرفا عن الإسلام إلى عدم اليأس ، وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غبره .
وفي هذه الآية انتقال إلى إشراك أهل الكتاب وغيرهم من العالمين مع العرب في التذكير والإرشاد إلى الإسلام ولذلك ذكرت وصية يعقوب ، واختلف الأسلوب ، فقد كان جاريا على طريقة الإيجاز ، فانتقل إلى طريقة الإطناب والإلحاح ، لما تقدم الإلماع إليه من مراعاة الأولى في خطاب العرب والثانية في خطاب أهل الكتاب ، الذين لا يكتفون بالإشارة والعبارة المختصرة لجمود أذهانهم واعتيادهم على التأويل والتحريف . وفصل بين العاطف والمعطوف بالمفعول ولم يقل : ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما ، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائهما معا وهم أولاد يعقوب على نحو ما تقدم في تفسير
( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ )
ذكر ملة إبراهيم وحكم الراغب عنها ووصيته بنيه بها ووصية حفيده يعقوب بنيه بها أيضا ، وذلك يشعر بأن بنى إبراهيم كانوا يوصون بما أوصاهم أبوهم ، فإن يعقوب أخذ الوصية عن أبيه إسحاق . وذلك من ضروب الإيجاز الدقيقة
* * *
ثم أراد أن يقرر أمر هذه الوصية ويؤكدها ويقيم الحجة بها على أهل الكتاب فقال
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي
أقول : هذا إضراب عما قبله وانتقال إلى استفهام إنكاري وجه إلى اليهود عن وصية جدهم يعقوب لآبائهم الأسباط ، ويجوز أن يكون معناه أكنتم غائبين أم كنتم شهداء إذ احتضر يعقوب فسأل بنيه عما يعبدون من بعده سؤال تقرير ليشهدوه على أنفسهم بالتوحيد الخالص والسؤال بما أعم من السؤال بمن لأن هذا خاص بمن يعقل وما نزل منزلته بسبب يجيز ذلك ، والسؤال بكلمة « ما » يعم العاقل وغيره ، وتتعين « ما » في السؤال عن العاقل إذا أريد وصفه نحو
( قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ؟ )
وهذا الاصطلاح للنحاة لا يدل على جواز وصف اللّه تعالى بلفظ « العاقل » شرعا لأن أسماءه وصفاته تعالى توقيفية
قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ