تعالى في الدنيا والآخرة لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه ، وجنى على إدراك عقله فاستحب العمى على الهدى ، وإن خسر الآخرة والأولى
ومن مباحث اللفظ في الآية : قول الجلال في تفسير ( سفه نفسه ) أي جهل أنها مخلوقة للّه : قال الأستاذ الامام : ولم يقل بهذا أحد من المفسرين الذين يعتد بهم والسياق لا يقتضيه ، وسفه يستعمل لازما ومتعديا ومعنى المتعدى استخف وامتهن وأخره الجلال وهو الراجح . وفي الكشاف أن ( نفسه ) تمييز لفاعل ( سفه ) ولا يمنع من ذلك الإضافة إلى الضمير لأنه تعريف لفظي ، والمعنى أنه لا يرغب عن ذلك إلا من سفهت نفسه أي حمقت . وقدم هذا القول كأنه رجحه على ما قبله ا ه
وأقول : سفه بالضم - كضخم - سفاهة صار سفيها ؛ وسفه بالكسر - كتعب - سفها هو الذي قيل : إنه يستعمل لازما ومتعديا ، وقيل بل هو لازم دائما وأن أصل سفه نفسه بالرفع ، فنصب على التمييز كسفه نفسا ، فأضيفت النفس إلى ضميره كما تقدم ومثله غبن رأيه . وسيأتي توضيح معناه في تفسير ( سيقول السفهاء )
* * *
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ
أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من آياته ونصب له من بيناته ، فأجاب الدعوة و
قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
والجلال قدر كلمة « اذكر » متعلقا للظرف « إذ » كما هي عادته في مثله وإن وجد في الكلام ما يتعلق به ، كقوله هنا « اصطفيناه » وقد نشأ إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم في قوم يعبدون الكواكب ويتخذون الأصنام ، فأراه اللّه حجته ، وأنار بصيرته ، فنفذت أشعتها من العالم الشمسي ، وأدركت أن لجميع العالمين ربا واحدا منفردا بالخلق والتدبير وحاجه قومه فبهرهم ببرهانه ، وأفحمهم ببيانه ، وقد قص اللّه تعالى خبره معهم في سورة الأنعام ، وسيأتي تفسير الآيات إن شاء اللّه تعالى
* * *
وَوَصَّى بِها
أي بالملة أو الخصلة التي ذكرت أخيرا
إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
بنيه أيضا ، إذ قال كل منهما لولده
يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ
أي اختاره لكم بهدايتكم إليه وجعل الوحي فيكم
فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
أي فحافظوا على الإسلام للّه والاخلاص في الانقياد إليه بحيث لا تتركوا ذلك لحظة