المعنى في تفسير الحكمة فهو مسلم ، وهو الذي كان يفهم من اسمها في الصدر الأول وإن أرادوا بالسنة ما يفسرها به أهل الأصول والمحدثون فلا تصح على إطلاقها فالحكمة مأخوذة من الحكمة - بالتحريك - وهي ما أحاط بحنكى الفرس من اللجام وفيها العذاران ، وفي ذلك معنى ما يضبط به الشئ ، ومن ذلك إحكام الأمر واتقانه .
وما كل من يروى الأحاديث يحقق له هذا المعنى ، ولكن الذي يتفقه في الدين ويفهم أسراره ومقاصده يصح أن يقال : إنه قد أوتى الحكمة التي قال اللّه فيها ( 2 : 269
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً )
ولن يكون أحد داخلا في دعوة إبراهيم حتى يقبل تعليم الحكمة من هذا النبي الكريم
علم إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام أن تعليم الكتاب والحكمة لا يكفى في إصلاح الأمم وإسعادها ، بل لا بد أن يقرن التعليم بالتربية على الفضائل والحمل على الأعمال الصالحة بحسن الأسوة والسياسة فقالا
وَيُزَكِّيهِمْ
أي يطهر نفوسهم من الأخلاق الذميمة ، وينزع منها تلك العادات الرديئة ، ويعودها الاعمال الحسنة التي تطبع في النفوس ملكات الخير ، ويبغض إليها الأعمال القبيحة التي تغريها بالشر ، ثم ختما الدعاء بهذا الثناء
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
العزيز هو القوى الغالب على أمره فلا ينال بضيم ، ولا يغلب على أمر ، والحكيم هو الذي يضع الأشياء أحسن موضع ، ويتقن العمل ويحسن الصنع ، والسر في ذكر هذين الوصفين هنا إزالة ما ربما يعلق بالذهن ، أو يسبق إلى الوهم ، من أن هذه الأمور التي دعى بها للعرب منافية لطبائعهم ، بعيدة من أحوالهم ومعايشهم ، فإنهم جمدوا على بداوتهم ، وألفوا غلظتهم وخشونتهم ، فهم أعداء العلم والحكمة ، خصماء التهذيب والتربية ، لا يخضعون لنظام ، ولا يؤخذون بالأحكام ، ولا استعداد فيهم للمدنية والحضارة ، التي هي أثر تعليم الكتاب والحكمة ، وتزكية أفراد الأمة ، فكان يتوقع أن يقول قائل : من بقدر أن يغير طباع هذه الأمة المعروفة بالخشونه والقسوة ، فيجعلها من أهل العلم والمدنية والحكمة ؟ لولا أن علم أن المدعو والمسؤول هو العزيز الذي لا مرد لأمره ، والحكيم الذي لا معقب لحكمه