تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
معناه الذي شرحناه فمن قام به هذا المعنى فهو المسلم في عرف القرآن وليس المراد به اسم في حكم الجامد يطلق على أمة مخصوصة حتى يكون كل من يولد فيها أو يقبل لقبها مسلما ذلك الإسلام الذي نطق به القرآن ، ويكون من الذين تنالهم دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وقد جرى إبراهيم وولده على سنة الفطرة في هذا الدعاء أيضا فخصاه ببعض الذرية لأنه قد يكون منها من لا يتناول الإسلام
وَأَرِنا مَناسِكَنا
أي علمنا إياها علما يكون كالرؤية البصرية في الجلاء والوضوح ، والمناسك جمع منسك بفتح السين في الأفصح من النسك ( بضمتين ) ومعناه غاية العبادة ، وغلب استعمال النسك في عبادة الحج خاصة ؛ والمناسك في معالمه أو أعماله
وَتُبْ عَلَيْنا
أي وفقنا للتوبة لنتوب ونرجع إليك من كل حال أو عمل يشغلنا عنك . ويدل عليه قوله تعالى ( 9 : 118
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا )
أو المعنى اقبل توبتنا ، ومنه الحديث « ويتوب اللّه على من تاب » وتاب - بالمثناة - كثاب ( بالمثلثة ) ومعناه رجع . ويقال : تاب العبد إلى ربه أي رجع اليه لأن اقتراف الذنب إعراض عن اللّه أي عن طريق دينه وموجبات رضوانه ، ويقال : تاب اللّه على العبد : لأن التوبة من اللّه تتضمن معنى الرحمة والعطف كأن الرحمة الإلهية تنحرف عن المذنب باقترافه أسباب العقوبة فإذا تاب عادت إليه ، وعطف ربه عليه ، والتوبة تختلف باختلاف درجات الناس فعبدك يتوب إليك من ترك ما أمرته بفعله ، أو فعل ما أمرته بتركه ؛ وصديقك يتوب إليك ويعتذر إذا هو قصر في عمل لك فيه فائدة عما في إمكانه واستطاعته ؛ وولدك يتوب إذا قصر في أدب من الآداب التي ترشده إليها ليكون في نفسه عزيزا كريما . وكذلك تختلف توبات التائبين إلى اللّه تعالى باختلاف درجاتهم في معرفته ، وفهم أسرار شريعته ، فعامة المؤمنين لا يعرفون من موجبات سخط اللّه تعالى وأسباب عقوبته إلا المعاصي التي شددت الشريعة في النهى عنها ، وإذا تابوا من عمل سيىء فإنما يتوبون منها ، وخواص المؤمنين يعرفون أن لكل عمل سيىء لوثة في النفس تبعد بها عن الكمال ، ولكل عمل صالح أثرا فيها يقربها من اللّه وصفاته ، فالتقصير في الصالحات يعد عند هؤلاء من الذنوب التي تهبط بالنفس وتبعدها عن اللّه تعالى ، فهي إذا