وقد يقال : إن الانسان يندفع لمعظم الأعمال بسائق طلب المنفعة واللدة وهو سائق فطرى ، فكيف ينافيه الاسلام وهو دين الفطرة . ومثاله طلب الغذاء لقوام الجسم يسوق اليه التلذذ بالطعام ، ومنل ذلك طلب اللذات العقلية والأدبية فكيف يمكن أن يكون ما يطلب للذة خالصا للّه وحده ؟ والجواب : أن الاسلام قد حل هذه المسألة حلا لا يجده الانسان في ديانة أخرى ، ذلك أنه لم يحرم علينا إلا ما هو ضاربنا ، ولم يوجب علينا إلا ما هو نافع لنا ، وقد أباح لنا مالا ضرر في فعله ولا في تركه من ضروب الزينة واللذة إذا قصد بها مجرد اللذة ، وأما إذا قصد بها مع اللذة غرض صحيح وفعلت بنية صالحة فهي في حكم الطاعات التي يثاب عليها ، ومن نية المرء الصالحة في الزينة والطيب أن يسر اخوانه بلقائه ، وأن يظهر نعم اللّه عليه ، وأن يتقرب إلى امرأته ويدخل السرور عليها ، وانما الهوى المذموم في الاسلام هو الهوى الباطل كأن يتزين الرجل ويتطيب للمفاخرة والمباهاة أو ليستميل اليه النساء الأجنبيات عنه ، وبذلك تكون الزينة مذمومة شرعا « وانما الأعمال بالنيات »
دعا هذا النبيان العظيمان لأنفسهما بحقيقة الاسلام ثم دعوا بذلك لذريتهما فقالا
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
أي واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك كاسلامنا ليستمر الاسلام لك بقوة الأمة وتعاون الجماعة . قال الأستاذ الامام :
أضافا الذرية إلى ضمير الاثنين للدلالة على أن المراد الذرية التي تنسب إليهما معا وهي ما يكون من ولد إسماعيل ، اللفظ ظاهر في هذا المعنى ويرجحه الحال والمحل الذي كانا فيه ، وعزم إبراهيم على أن يدع إسماعيل في بلاد العرب داعيا إلى توحيد اللّه ، وإسلام القلب اليه ، ويرجع هو إلى بلاد الشام ، وكذلك الدعاء لهذه الذرية بأن يبعث اللّه فيهم رسولا منهم كما سيأتي . وقد استجاب اللّه تعالى دعاء إبراهيم وولده عليهما السّلام ، وجعل في ذريتهما أمة الإسلام ، وبعث فيها منها خاتم النبيين عليه الصلاة والسّلام ، وإلى هذا الدعاء الإشارة بقوله في سورة الحج ( 22 : 78
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ )
« 1 » وعلم مما تقدم أن المراد بالإسلام
هامش
( 1 ) ظاهر استشهاد شيخنا بالآية : أنه كان يفهم أن الضمير في قوله( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ )يرجع إلى إبراهيم . والتحقيق أنه يرجع إلى اللّه تعالى