تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
ومن مباحث اللفظ في الجملة : أن القواعد جمع فاعدة وهي ما يقعد ويقوم عليه البناء من الأساس أو من الساقات ، ورفعها إعلاء البناء عليها أو إعلاؤها نفسها على الخلاف و « من البيت » قال الجلال إنه متعلق بيرفع ، وهذا إنما يصح إذا أريد بالبيت العرصة أو البقعة التي وقع فيها البناء ، والأكثرون على أن « من » للبيان وعليه يكون البيت بمعنى نفس البناء والجدران ، وهناك قول ثالث وهو أن « من » للتبعيض بناء على أن البيت مجموع العرصة والبناء ، قال الأستاذ الامام : وفي الكلام نكتة لطيفة وهي أن ذكر القواعد أولا ينبه الذهن ويحركه إلى طلب معرفة القواعد ما هي ؟ وقواعد أي شئ هي ؟ فإذا جاء البيان بعد ذلك كان أحسن وقعا في النفس ، وأشد تمكنا في الذهن ، وأما النكتة في تأخير ذكر إسماعيل عن ذكر المفعول ، مع أن الظاهر أن يقال : وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت : فهي الالماع إلى كون المأمور من اللّه ببناء البيت هو إبراهيم ، وإنما كان إسماعيل مساعدا له وقد ورد أنه كان يناوله الحجارة وقوله تعالى
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا
الخ حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عند البناء وهو أنهما كانا يقولان ذلك ، حذف القول للايجاز الذي عهد من القرآن في خطاب العرب كما تقدم ، وجملة القول بيان لحالهما وقتئذ . وتقبل اللّه العمل : قبله ورضى به
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
لأقوالنا
الْعَلِيمُ
بأعمالنا وبنيتنا فيها * * *
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
المسلم والمسلّم والمستسلم واحد وهو المنقاد الخاضع والمراد بالكلمة ما يشمل التوحيد والاخلاص للّه تعالى في الاعتقاد والعمل جميعا ومعنى الأول - أي الاخلاص في الاعتقاد - أن لا يتوجه المسلم بقلبه إلا إلى اللّه ولا يستعين بأحد فيما وراء الأسباب الظاهرة إلا باللّه ، ومعنى الثاني أن يقصد بعمله مرضاة اللّه تعالى لا اتباع الهوى وإرضاء الشهوة ، وإنما يرضيه تعالى منا ان نزكى نفوسنا بمكارم الأخلاق ، ونرقى عقولنا بالاعتقاد الصحيح المؤيد بالبرهان ، فبذلك نكون محل عنايته تعالى ومستودع معرفته وموضع كرامته ، ومن يقصد بأعماله إرضاء شهوته واتباع هواه لا يزيد نفسه إلا خبثا ، وبذلك يكون بعيدا عن الإسلام ويصدق عليه قوله ( 25 : 43
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ؟ )
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 469 | الشيخ محمد رشيد رضا