تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
أنه قد غرز في طبائع البشر تكريم الييوت والمعاهد ، والآثار والمشاهد ، التي تنسب للاحباء ، أو تضاف إلى العظماء
أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا
وإنما يكون التعظيم والتكريم للديار ، في حال غيبة الساكن والديّار ، لأن النفس إذا حرمت من المشاهدة التي تذكى نار الحب ، وتهيج الاحساس والشعور بلذة القرب ، تحاول أن تذكى تلك النار ، بالتعلل بالاطلال والآثار ، ولا يقال لماذا خصص الحجر الأسود بالتقبيل ؟ فان كل مشعر من تلك المشاعر قد خص بمزية تثير شعورا دينيا خاصا يليق به ، فلا يقال : لماذا كان الوقوف والاجتماع ، وتعارف أهل الآفاق والاصقاع ، مخصوصا بعرفة دون غيرها من البقاع . ولهذه المشاعر والشعائر معان وأسرار أخرى عند بعض الخواص ، لا ينبغي شرحها لعامة الناس وقد جهل القصاص تلك الأحاديث والآثار ، وهذه المعاني والأسرار ، وجعلوا مزية البيت الحرام ومشاعره وحجره المكرم محصورة في مخالفتها لسائر الحجارة وكون أصلها من جواهر الجنة التي هي من عالم الغيب ، ولو كان ذلك صحيحا لبقيت حجارتها كما كانت عندما نزلت من الجنة بزعمهم وقد راجت بضاعتهم المزجاة عند أهل العلم والعقل عند من لا يعرف من الدين إلا هذه الرسوم الظاهرة ، ومنها كسوة الكعبة الحريرية المزركشة فإنها عند عامتنا في هذه الأزمنة من أعظم شعائر الدين ؛ وإن حرم حضور احتفالها أو رؤيتها بعض علماء الأزهر المتأخرين ( كالباجورى ) وليس هذا التحريم لذاتها فإنها مشروعة بل لما في الاحتفال بها من البدع وما عليه العوام من اعتقاد البركة فيها وفي جملها الذي يقبل مقوده الأمراء والوزراء ورؤساء العلماء الرسميين المدهنين لهم ، وهكذا كل واحد يفهم الدين ، ويأخذ من كتب الأولين والآخرين ، ما يناسب استعداد عقله ، ويحسن في نظر جيرانه وأهله ، حتى يخرج المسلمون من هذه الفوضى في الدين والعلم ، ويدير شؤونهم الاجتماعية أهل الحكمة والفهم ، فيضعون لهم نظاما يتبع في تعميم التربية والتعليم ( 3 : 101
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 468 | الشيخ محمد رشيد رضا