تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
وما ذا قال إبراهيم لما بشره اللّه تعالى بجعله إماما للناس
قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
أي قال : واجعل من ذريتي أئمة للناس ، وهو إيجاز في الحكاية عنه لا يعهد مثله الا في القرآن . وقد جرى إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم على سنة الفطرة في دعائه هذا فان الانسان لما يعلم من أن بقاء ولده بقاء له يحب أن تكون ذريته على أحسن حال يكون هو عليها ، ليكون له حظ من البقاء جسدا وروحا . ومن دعاء إبراهيم الذي حكاه اللّه عنه في السورة المسماة باسمه ( 14 : 40
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي )
وقد راعى الأدب في طلبه ، فلم يطلب الإمامة لجميع ذريته بل لبعضها ، لأنه الممكن وفي هذا مراعاة لسنن الفطرة أيضا . وذلك من شروط الدعاء وآدابه فمن خالف في دعائه سنن اللّه في خليقته أو في شريعته فهو غير جدير بالإجابة ، بل هو سىء الأدب مع اللّه تعالى ، لأنه يدعوه لان يبطل لأجله سنته التي لا تتبدل ولا تتحول أو ينسخ شريعته بعد ختم النبوة وإتمام الدين . وبماذا أجاب اللّه إبراهيم حين دعاه هذا الدعا ؟
قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
أي إنني أعطيك ما طلبت وسأجعل من ذريتك أئمة للناس ولكن عهدي بالإمامة لا ينال الظالمين . لأنهم ليسوا بأهل لأن يقتدى بهم ، ففي العبارة من الإيجاز ما يناسب ما قبلها وإنما اكتفى في الجواب بذكر المانع من منصب الإمامة مطلقا وهو الظلم لتنفير ذرية إبراهيم من الظلم وتبغيضه إليهم ليتحاموه وينشئوا أولادهم على كراهته ، ويربوهم على التباعد عنه لكيلا يقعوا فيه فيحرموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها ، ولتنفير سائر الناس من الظالمين وترغيبهم عن الاقتداء بهم ، فان الناس قد اعتادوا الاقتداء بالرؤساء والملوك الظالمين لأنفسهم ولغيرهم بالخروج عن الشريعة إلا ما يوافق أهواءهم ، ويحرفون أو يؤولون الاحكام لتطابق شهواتهم ، وقد درجوا على ذلك في كل عصر ما عدا عصر النبوة وما قاربه ، كعصر خلافة النبوة كما يعلم من شهادة التاريخ التي لا ترد أقول : وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالظلم هنا أشد أنواعه قبحا وضررا وهو الشرك والكفر ، ومنه ( 31 : 13
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )
( 2 : 254
وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
ولكن لا دليل هنا على الحصر أو القصر ، ومن يظلم الناس من الموحدين المقرين