مشركي العرب ، ووجه الاتصال بينها وبين ما قبلها أن ذلك كان يتضمن الاحتجاج على أهل الكتاب بسلفهم الصالح ، وهذا يتضمن الاحتجاج على مشركي قريش وأمثالهم بسلفهم الصالح ، فإنهم ينتسبون إلى إسماعيل وإبراهيم ويفتخرون بأنهما بنيا لهم الكعبة معبدهم الأكبر ، وكانوا في عهد التنزيل قد اختلطوا بالأمم المجاورة التي تعرف لهم هذا النسب .
وإنك لترى الكلام هنا جاريا على طريقة الايجاز والإشارة لما كان عليه العرب من حدة الفكر وصفاء الأذهان ، ودقة الفهم ورقة الوجدان ، على أن هذه الآيات تصلح حجة على الفريقين لأن أهل الكتاب كافة يجلون إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ويعتقدون نبوته ، والإسرائيليون منهم ينتسبون إليه ، ولكن الخطاب في قصته موجه إلى العرب أولا وبالذات ، فتلك حجج القرآن على أهل الكتاب الذي جاء لإصلاح دينهم وترقيتهم فيه ودين اللّه واحد في جوهره ، وهذه حججه على أهل الشرك والوثنية الخاصة التي جاء لمحوها من الأرض وإثبات نقيضها وهو التوحيد والتنزيه وإثبات البعث والنشور ، وقد أقام الحجج على هذين الأصلين من الطرق العقلية والكونية في مواضع كثيرة ولا سيما في السور المكية .
قال تبارك اسمه
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
أقول أشهر الأقوال وأظهرها في متعلق « إذ » هنا قولان ( 1 ) أنه مقدر معلوم من السياق ومن أمثاله وهو « اذكر » وإذا جعل الخطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أي « واذكر » لأهل الكتاب ولقومك وغيرهم
( إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ )
الخ وإذا جعل الخطاب للمكلفين
( وَاذْكُرُوا ) *
وتقدم نظيره في خطاب بني إسرائيل ( 2 ) أنه متعلق بقوله
( قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً )
والكلمات جمع كلمة وتطلق على اللفظ المفرد وعلى الجمل المفيدة من الكلام . والمراد منها هنا مضمونها من أمر ونهى ، روى عكرمة عن ابن عباس قال : لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ابتلاه اللّه بثلاثين خصلة من خصال الاسلام .
واستنبطها ابن عباس بالعدد من أربع سور ليس فيها خطاب له عليه الصلاة والسّلام . وقال شيخنا في الدرس : جعل التكليف بالكلمات لأنها تدل عليها وتعرف بها عادة ولم يذكر الكلمات ما هي ولا الاتمام كيف كان ، لأن العرب تفهم المراد بهذا الابهام والاجمال