الصلاة والسّلام فإنهم ظلوا على دين ملوكهم وهم اليوم وقبل اليوم يدعون الاقتداء بالأئمة الأربعة رضى اللّه عنهم وهم كاذبون في هذه الدعوى فإنهم ليسوا على شئ من سيرتهم في التخلق بأخلاق القرآن ، وتحرى اتباع الكتاب والسنة في جميع الأعمال .
اكتفى الأستاذ الإمام بهذه الإشارة في الدرس ونزيدها إيضاحا فنقول : قد غلبت على الناس أهواء السلاطين والحكام الظالمين ، حتى إن هؤلاء الأئمة الأربعة لم يسلموا من أولئك الظالمين ، فقد سجن أبو حنيفة وحاولوا إكراهه على قبول القضاء لما رأوا من إقبال الناس على الأخذ عنه فلم يقبل ، فضربوه وحبسوه ولم يقبل كما هو مشهور . وضرب الإمام مالك سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان ، نقله ابن خلكان عن شذور العقود لابن الجوزي ، ونقل عن الواقدي أنه لم يكن في آخر عهده يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة وكان يقول ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره . وسعى به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس ( رضى اللّه عنهما ) وهو عم أبى جعفر المنصور وقالوا له إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشئ ، فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط ومدت يده حتى انخلعت كتفه وارتكب منه أمرا عظيما . وخبر طلب هارون الرشيد الشافعي للقضاء وإبائه واختفائه ثم هربه مشهور وسببه الورع ، وأشهر منه محنة الإمام أحمد وحبسه وضربه الضرب المبرح ليقول بخلق القرآن . فهكذا عامل الملوك الظالمون هؤلاء الأئمة وبلغوا منهم ومن الناس بظلمهم ما أرادوا من إفساد الدين والدنيا
وكلنا يعلم أن أولئك الذين ظلموا الأئمة الذين يدعى الأمراء والحكام اليوم اتباعهم كانوا أقل توغلا وإسرافا في الظلم من أكثر الملوك والأمراء المتأخرين ، وانك لترى أكثر الناس تبعا لأهواء هؤلاء الرؤساء إلا من وفقه اللّه وهداه وقليل ما هم بل هم الغرباء في الأرض .
والعبرة في مثل ما أشرنا إليه من الأحداث أن الظالمين من حكام هذه الأمة بدأوا بتحكيم أهوائهم السياسية في الدين وأهله من القرن الأول ، وكانوا إذا رأوا الناس قد أقبلوا على رجل من رجال الدين استمالوه ، فإن لم يمل إليهم آذوه وأهانوه ولكن كان الدين وطلب الحق غالبا على أمر المسلمين ، فقد نقل المؤرخون أن
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 458
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٤٥٨