وأن المقام مقام إثبات أن اللّه تعالى عامل إبراهيم معاملة المبتلى أي المختبر له لتظهر حقيقة حاله ويترتب عليها ما هو أثر لها ، فظهر بهذا الابتلاء والاختبار فضله باتمامه ما كلفه اللّه تعالى إياه وإتيانه به على وجه الكمال . هذا هو المبادر ولكن المفسرين لم يألوا في تفسير الكلمات والخبط في تعيينها فقال بعضهم : إنها مناسك الحج ، وقال آخرون : إنها خصال الايمان واستخرجوها من آيات من القرآن ، وذهب بعضهم إلى أن الإشارة بالكلمات إلى الكوكب والقمر والشمس التي رآها واستدل بأفولها على وحدانية اللّه تعالى ، وكأن قائل هذا يعتقد أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام كان يظن أن هذه الكواكب أربابا وحاش للّه ما كان منه إلا أن قال
( هذا رَبِّي ) *
تمهيدا للحجة والبرهان ولذلك قال تعالى بعد حكاية ذلك عنه ( 6 : 82
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ )
وذهب قوم إلى أن المراد بها جعل اللّه إياه إماما وتكليفه بإقامة البيت وتطهيره وأن بقية الآية مفسر للابهام فيها . وادعى بعضهم أن المراد أمره في المنام بذبح ولده وإنما هذا الأمر كلمة واحدة فكيف جعلوها عشرا ؟ وزعم آخرون أن الكلمات هي الخصال العشر التي تسمى خصال الفطرة ، وهي قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وتقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط والاستحداد وقيل غير ذلك .
قال الأستاذ الامام عند إيراد قول المفسر ( الجلال ) في تفسير الكلمات إنها الخصال العشر : إن هذا من الجراءة الغريبة على القرآن ولا شك عندي في أن هذا مما أدخله اليهود على المسلمين ليتخذوا دينهم هزوا ، وأي سخافة أشد من سخافة من يقول : إن اللّه تعالى ابتلى نبيا من أجل الأنبياء بمثل هذه الأمور وأثنى عليه بإتمامها وجعل ذلك كالتمهيد لجعله إماما للناس وأصلا لشجرة النبوة - وإن هذه الخصال لو كلف بها صبي مميز لسهل عليه إتمامها ولم يعد ذلك منه أمرا عظيما - ؟ والحق أن مثل هذا يؤخذ كما أخبر اللّه تعالى به ولا ينبغي تعيين المراد به إلا بنص عن المعصوم
هذا ملخص ما قاله شيخنا في الدرس وهو صفوة الحقيقة ، ولكن كتب إليه رجل من المشتغلين بالعلم في سورية كتابا عقب قراءته ذلك في المنار يقول فيه : ان