تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
تفسير الكلمات بخصال الفطرة مروى عن ترجمان القرآن ابن عباس رضى اللّه عنهما فكيف يخالفه فيه ؟ وشدد النكير في ذلك وأطنب في مدح ابن عباس . وقد أرسل إلىّ الأستاذ كتابه عند وصوله وكتب عليه : الشيخ رشيد يجيب هذا الحيوان : فكتبت إليه وكان صديقا لي كتابا لطيفا كان مما قلته فيه على ما أتذكر : إننا لم نر أحدا من المفسرين ولا من أئمة العلماء التزم موافقة ابن عباس في كل ما يروى عنه وان صح سنده عنده ، فكيف إذا لم يصح ؟ وقد قال الشيخ محمد عبده إنه يجل ابن عباس عن هذه الرواية ولا يصدقها ، ولما كانت مثل هذه الشبهة أو الطعن في أي عالم بأنه خالف فلانا الصحابي أو الامام فلانا مما يروج في سوق العوام نذكر هنا ما قاله شيخ المفسرين ابن جرير الطبري بعد ذكر رواياته المختلفة في تفسير ( الكلمات ) عن ابن عباس وعيره من مفسري السلف ونقله عنه ابن كثير مقرا له ، قال هذا : قال أبو جعفر ابن جرير ما حاصله : إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر وجائز أن يكون بعض ذلك ولا يجوز الجزم بشئ منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع ( قال ) ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له ا ه المراد منه وهو عين ما ذهب إليه شيخنا وهذه الحجة يدلى بها ابن جرير في مواضع كثيرة من تفسيره وهي الحق ذكر تعالى أن إبراهيم أتم الكلمات وأنه تعالى
قالَ
له
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
وقد فصلت الجملة عما قبلها لأنها جواب عن سؤال مقدر تدل عليه القرينة قال شيخنا ولم يقل فقال إني جاعلك : للاشعار بأن هذه الإمامة بمحض فضل اللّه تعالى واصطفائه لا بسبب إتمام الكلمات ، فان الإمامة هنا عبارة عن الرسالة وهي لا تنال بكسب الكاسب . وليس في الكلام دليل على أن الابتلاء كان قبل النبوة . وأما فائدة الابتلاء فهي تعريف إبراهيم عليه السّلام بنفسه وأنه جدير بما اختصه اللّه به ، وتقوية له على القيام بما يوجه إليه وقد تحققت إمامته للناس بدعوته إياهم إلى التوحيد الخالص - وكانت الوثنية قد عمتهم وأحاطت بهم - فقام على عهده بالحنيفية وهي لايمان بتوحيد اللّه والبراءة من الشرك وإثبات الرسالة ، وتسلسل ذلك في ذريته خاصة فلم ينقطع منها دين التوحيد ، ولذلك وصف اللّه الإسلام بأنه ملة إبراهيم .