تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
وأيقنوا إيقانا ، وإنما يتوقع اليقين من مثلهم لا من قوم يعتقدون الشئ أولا بلا دليل ولا برهان ، ثم يلتمسون له الدليل لأن مقلّديهم قالوا بوجوب معرفة الدليل فإذا أصابوه موافقا لما اعتقدوا رضوا به وإن كان ظنيا ، وإذا نهض لهم مخالفا لتقاليدهم رفضوه وتعللوا بالتعلات المنتحلة ، وهؤلاء هم الجماهير من الناس الذين وصفوا في الأثر بأنهم أتباع كل ناعق : والعبرة في خطاب الشرع بأهل اليقين الذين صفت نفوسهم ، ومحصت أفكارهم ، فسلموا من علة العناد والمكابرة المانعين لشعاع الحق أن ينفذ إلى العقول ، ولحرارته أن تخترق الصدور إلى القلوب ، هؤلاء هم أنصار الحق لأنهم بيقينهم لا يستطيعون المروق منه ، ولا السكوت عن الانتصار له ، ألم تر أن كبار الصحابة كانوا يراجعون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما لم يظهر لهم دليله لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالدليل . هؤلاء هم الناس الذين تنزل الشرائع لأجلهم ، ولولا استعدادهم لها لما شرعت أو لما نجحت « 1 » وأما سائر الناس فتبع لهم وعيال عليهم * * * ثم قال تعالى
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ
أي بالشئ الثابت المتحقق الذي لا يضل من يأخذ به ولا تعبث به رياح الأباطيل والأوهام ، بل يكون الآخذ به سعيدا بالطمأنينة واليقين . قال الأستاذ الإمام إن الحق في هذا المقام يشمل العلوم الاعتقادية وغيرها فهو يقول : إنا أرسلناك بالعقائد الحق المطابقة للواقع ، والشرائع الصحيحة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة
بَشِيراً
لمن يتبع الحق بالسعادتين
وَنَذِيراً
لمن لا يأخذ به بشقاء الدنيا وخزى الآخرة
وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
أي فلا يضرك تكذيب المكذبين الذين يساقون بجحودهم إلى الجحيم لأنك لم تبعث ملزما لهم ولا جبارا عليهم فيعدّ عدم إيمانهم تقصيرا منك تسئل عنه ، بل بعثت معلما وهاديا بالبيان والدعوة ، وحسن الأسوة ، لا هاديا بالفعل ولا ملزما بالقوة ،
( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ )
وفي الآية تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لئلا يضيق صدره كما تدل على ذلك آيات أخرى
هامش
( 1 ) راجع مقالة « الاصلاح والاسعاد على قدر الاستعداد » في مجلد المنار الرابع .