اليقين ؛ بالوحي الإلهي المبين ، الذي بين ما كان منهم من تحويل القول عن معناه بالتأويل ، وتحريفهم الكلم عن مواضعه ، ونسيانهم حظا مما ذكروا به
ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ *
أي فإنك لن تنجح ولن تصل إلى حقك بمجاراتهم على باطلهم ، لأن اللّه لا ينصرك على ذلك إذ لا يرضيه أن يكون اتباع الهوى ؛ طريقا إلى الهدى ، والضال لا يرضيه إلا موافقته على ضلاله ، ومجاراته على فساده ، وإذا لم يكن اللّه هو الذي يتولى شئونك وينصرك بمعونته فمن ذا الذي ينصرك ويتولاك من بعده ؟
( أقول ) ومفهوم هذا المصرح به في آيات أخرى أن ثباته على هدى اللّه المؤيد بالعلم هو الذي يكون سببا لتوليه تعالى له ونصره إياه عليهم . ومن المعلوم أن شرط إن لا يقتضى الوقوع فهو لا يدل على أن اتباع أهوائهم متوقع منه صلّى اللّه عليه وسلّم وإنما هو فرض فرض لبيان مضمونه الذي ذكرنا ، وفيه أن من سنن اللّه تأييد متبعى الهدى على علم صحيح وأنهم هم الغالبون المنصورون ، وهو ما يعبر عنه علماء الاجتماع ببقاء الأمثل في كل تنازع بينه وبين ما دونه .
( الأستاذ الامام ) من تدبر هذا الانذار الشديد الموجه من اللّه تعالى إلى نبي الرحمة ، المؤيد منه بالكرامة والعصمة ، علم أن المراد به الوعيد والتشديد على الأمة ، على حد « إياك أعنى واسمعى يا جاره » فان اللّه تعالى يخاطب الناس كافة في شخص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما جرى عرف التخاطب مع الرؤساء والزعماء فقد يقال للملك : إذا فعلت هذا كانت عاقبته كذا : والمراد إذا فعلته دولتك أو أمتك وقد تقدم غير مرة إسناد عمل بعض الأفراد إلى الأمة كلها ولكن قوله
( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ )
وهو يعلم جل شأنه أنه لا يتبع أهواءهم في حال من الأحوال ، وقد عصمه من الزيغ والضلال ، إنما جاء على هذا الأسلوب ليرشد من يأتي بعده ممن يتبع سنته ويأخذ بهديه . فهو يرشدنا بهذا التهديد العظيم إلى الصدع بالحق والانتصار له ، وعدم المبالاة بمن يخالفه .
مهما قوى حزبهم ، واشتد أمرهم ، وإنه لتهديد ترتعد منه فرائض الذين يخشون ربهم ، ولا سيما إذا أنسوا من أنفسهم ضعفا في الحق كأن تركوا الجهر به أو الدفاع عنه خوفا من إنكار العامة عليهم ، ولغط الناس بهم ، فمن عرف الحق وعرف