أدى غرضا مقصودا في ذاته . ولما كان ذكرهم في عرض الكلام كالجملة الاعتراضية كان الرجوع إلى سرد شؤون أهل الكتاب مع النبي عليه السّلام رجوعا إلى أصل الموضوع
وقال في معنى الآية : من شأن الانسان أن يتألم من القبيح أشد التألم إذا وقع ممن لا يتوقع منه فكان النبي عليه الصلاة والسّلام يرجو أن يبادر أهل الكتاب إلى الايمان به وأن لا يرى منهم المكابرة والمجاحدة والعناد ، ولهذا كبر عليه أن رأى من إعراض اليهود والنصارى عن إجابة دعوته ، وإسرافهم في مجاحدته أشد مما رأى من مشركي العرب الذين جاء لمحو دينهم من الأرض ، مع موافقته لأهل الكتاب في أصل دينهم ومقصده من توحيد اللّه تعالى والاخلاص له وتقويم عوج الفطرة الانسانية الذي طرأ عليها بسبب التقاليد ، وترقية المعارف الدينية إلى أعلى ما استعد له الانسان من الارتقاء العقلي والأدبي ، ولذلك كان يخاطبهم بمثل قوله تعالى ( 3 : 63
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ )
الآية وغيرها من الآيات . ولقد كان من الصعب لولا إعلام اللّه تعالى أن تعرف درجة فتلك التقليد بعقول أهل الكتاب وإفساد الأهواء لقلوبهم ، لذلك سلى اللّه تعالى نبيه عما كان يجده من عنادهم وإيذائهم بآيات كثيرة عرفه فيها حقيقة حالهم ، منها هذه الآية الناطقة بأن كلا من اليهود والنصارى على اتحادهم في أصل الدين قد تعصب لتقاليده واتخذ الدين جنسية لا يرضيه من أحد شئ إلا الدخول فيها وقبول لقبها فقوله تعالى
( حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ )
مراد به ما هم عليه من التقليد والأهواء التي غيروا بها وجه الدين الواحد حتى صار بعضهم يحكم بكفر بعض كما تقدم في الآيات السابقة .
ثم أمره تعالى في مقابلة ذلك بقوله
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى
أي اجهر بقول الحق وهو أن الهدى الصحيح هو هدى اللّه الذي أنزله على أنبيائه دون ما أضافه اليه اليهود والنصارى بآرائهم وأهوائهم ففرقوا دينهم وكانوا شيعا كل شيعة تكفر الأخرى وتقول إنها ليست على شئ ، أي فإن أردت استرضاء هم فلن يرضوا عنك إلا أن تتبع أهواءهم ،
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ
التي أضافوها على كتبهم ، وجعلوها أصولا وفروعا لدينهم ،
بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ