تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
هنا إنما هو في مكابرة الحق واستبعاد كون واحد من البشر رسولا يوحى إليه واقتراح الآيات تعنتا وعنادا ومثال الأخلاف في الجزئيات طلب قوم موسى رؤية اللّه جهرة ، وطلب قوم محمد أن يرقى في السماء أمامهم فيأتيهم بكتاب يقرأونه . والطلب الذي مصدره العناد والتعنت لا تفيد إجابته لأن صاحبه لا يقصد به معرفة الحق ولذلك قال تعالى « 1 »
( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ )
والدليل المعقول على هذا أنه ما من نبي إلا وقد جاء بآية أو آيات كونية أو عقلية وكانوا مع ذلك يصفونهم بالسحر ثم يقترحون عليهم الآيات ولذلك قال تعالى بعد حكاية شبهة هؤلاء الجاهلين
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
أي أننا لم ندعك يا محمد بغير آية بل بينا الآيات على يديك بيانا لا يدع للريب طريقا إلى نفس من يعقلها . وقد قال
( بَيَّنَّا الْآياتِ )
ولم يقل أعطيناك الآيات للتفرقة والفصل بين آيات القرآن التي هي من علم اللّه وكلامه يظهر بها الحق بطريق معقول بين لا يشتبه فيه الفهم ، ولا يحار فيه الذهن ، وبين الآيات الكونية التي هي من صنعه يستخذى لها العقل ويخضع لها لشعوره بأنها من قوة فوق قوته . وللناس فيما يرونه فوق ما يعقلون طريقان معهودان : منهم من يسنده إلى القوة الغيبية العليا سواء كان له سبب خفى في الواقع أم لا ومنهم من يسنده إلى الأسباب الخفية التي يسمونها السحر ، وإن كان فوق قدرة البشر ، ولذلك ضلت الأمم في آيات الأنبياء السابقين وليس لأحد أن يضل في آيات القرآن لأنها بينة معقولة ولذلك قال
( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ )
نعم إن الآيات العلمية لا يعقلها إلا أهل الاستعداد للعلم واليقين . ولذلك قال
( لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )
قال الأستاذ الإمام . الذين يوقنون هم الذين خلصت نفوسهم من كل رأى وتقليد وتوجهوا إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية ، وأخذوا على أنفسهم العهد أن يطلبوه بدليله وبرهانه ، فهم إذا قام عندهم البرهان اعتقدوا
هامش
( 1 ) راجع تفسيره في سورة الأنعام من الجزء السابع