تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
وفي الآية من العبرة أن الأنبياء بعثوا معلمين لا مسيطرين ، ولا متصرفين في الأنفس ولا مكرهين ، فإذا جاهدوا فإنما يجاهدون دفاعا عن الحق لا إكراها عليه وفيها أن اللّه تعالى لا يطالب الناس بأن يأخذوا عنهم إلا العلم الذي يهديهم إلى معرفة حقوق اللّه وحقوق العباد وفي قراءة نافع ويعقوب
( وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ )
بالنهى ، بالنهى أي لا تسأل عما سيلاقون من الانتقام فإنه عظيم ، فمثل هذا النهى مستعمل في التهويل لا في حقيقته وهو استعمال معروف بين الناس حتى اليوم وزعم بعض المفسرين أن النهى على حقيقته وأنه خاص بنهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن السؤال عن أبويه ورووا في ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى لو يعرف حالهما في الآخرة وقال « ليت شعري ما فعل أبواى » فنزلت الآية في ذلك . والحديث قال الحافظ العراقي إنه لم يقف عليه ، وقال السيوطي لم يرد في ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد . قال الأستاذ الإمام وقد فشا هذا القول ولولا ذلك لم نذكره ، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو في المسلمين بضعف العلم والصحيح يهجر وينسى . ولا شك أن مقام النبي عليه الصلاة والسّلام في معرفة أسرار الدين ، وحكم اللّه في الأولين والآخرين ، ينافي صدور مثل هذا السؤال عنه ؛ كما أن أسلوب القرآن يأبى أن يكون هو المراد منه . * * * ثم قال عز وجل
وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ
فعاد إلى ذكر أهل الكتاب على ما عهدنا في أساليب القرآن من ضروب الانتقال بالمناسبات الدقيقة . وقد قال الأستاذ الامام غير مرة إن القرآن لم يأت على طريقة المنشئين والمؤلفين الذين يخصون كل طائفة من الكلام بموضوع معين ويسمونها فصلا أو بابا ، ولكن للقرآن أغراضا يبرزها بصور مختلفة ، فكلما لاحت المناسبة لذكر شئ منها أو الاحتجاج عليه أو الدفاع عنه ، جاء به يجذب إليه الأذهان ، ويسارق به خطرات القلوب ، مع مراعاة التناسق ، وحفظ الأسلوب البليغ ، لهذا يتكرر فيه المعنى الواحد بعبارات متعددة ، ويتجلى الروح الواحد في أشكال متنوعة فلم يذكر ههنا المشركين إلا لما بينهم وبين أهل الكتاب من التناسب والتقارب في المجاحدة والمعاندة ، فكان ذكرهم من متممات الحجة على أهل الكتاب من حيث