بثبوت السلطة الغيبية القاهرة لكل ما يظهر لهم منه عمل لا يهتدون إلى سببه ولا يعرفون تأويله ، يستخذون للدجالين والمشعوذين ، ويرتعدون من حوادث الطبيعة الغريبة ، إذا لاح لهم نجم مذنب تخيلوا أنه منذر يهددهم بالهلاك ، وإذا أصابتهم مصيبة بما كسبت أيديهم من الفساد توهموا أنها من تصرف بعض العباد ، وتراهم في جزع وهلع من حدوث الحوادث ، ونزول الكوارث ، لا يصبرون في البأساء والضراء ولا ينفقون في الرخاء والسراء ( 70 : 19 - 23
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ )
هذه حال من فقد التوحيد الخالص وحرم من العمل الصالح في هذه الحياة الدنيا ( 41 : 16
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ )
وإنما كان صاحب النزغات الوثنية في خوف مما يستقبله ، وحزن مما ينزل به ، لأن ما اخترعه له وهمه من السلطة الغيبية لغير اللّه التي يحكمها في نفسه ، ويجعلها حجابا بينه وبين ربه ، لا يمكنه أن يعتمد في الشدائد عليها ، ولا يجد عندها غناء إذا هو لجأ إليها ، وما هو من سلطتها على يقين ، وانما هو من الظانين أو الواهمين
وأما ذو التوحيد الخالص فهو يعلم أنه لا فاعل إلا اللّه تعالى وأنه من رحمته قد هدى الانسان إلى السنن الحكيمة التي يجرى عليها في أفعاله ، فإذا أصابه ما يكره بحث في سببه واجتهد في تلافيه من السنة التي سنها اللّه تعالى لذلك ، فإن كان أمرا لا مرد له سلم أمره فيه إلى الفاعل الحكيم ، فلا يحار ولا يضطرب لأن سنده قوى عزيز ، والقوة التي يلجأ إليها كبيرة لا يعجزها شئ ، فإذا نزل به سبب الحزن أو عرض له مقتضى الخوف لا يكون أثرهما إلا كما يطيف الخاطر بالبال ، ولا يلبث أن يعرض له الزوال ( 13 : 28
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )
فكأنه تعالى يقول لأهل الكتاب : لا تغرنكم الأماني ولا يخدعنكم الانتساب الباطل إلى الأنبياء ، فهذه هي طريق الجنة ، أسلموا وجوهكم لله تسلموا واعملوا الصالحات تؤجرواو قد أفرد الضمير في قوله
( فَلَهُ أَجْرُهُ )
مراعاة للفظ ( من ) وجمعه في قول
( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ )
الخ مراعاة لمعناها
بعد أن ذكر تزكية كل فريق من أهل الكتاب نفسه وحكمه بحرمان غيره