تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
يحكم لأحد بدعوى ينتحلها بغير برهان يؤيدها ، ذلك أن الأمم التي خوطبت بالكتب السالفة لم تكن مستعدة لاستقلال الفكر ومعرفة الأمور بأدلتها وبراهينها ولذلك اكتفى منهم بتقليد الأنبياء فيما يبلغونهم وإن لم يعرفوا برهانه ، فهم مكلفون أن يفعلوا ما يؤمرون ، سواء عرفوا لماذا أمروا أم لم يعرفوا ، ولكن القرآن يخاطب من أنزل عليه بمثل قوله ( 12 : 107
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )
وقد فسروا البصيرة بالحجة الواضحة ، ويستدل على قدرة اللّه وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته بالآيات الكونية ؛ وهي كثيرة جدا في القرآن ، وبالأدلة النظرية والعقلية كقوله ( 21 : 108
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا )
وغير ذلك ، ويستدل على الأحكام بما يترتب عليها من نفى المضرات والافضاء إلى المنافع . علم القرآن أهله أن يطالبوا الناس بالحجة ، لأنه أقامهم على سواء المحجة وجدير بصاحب اليقين أن يطالب خصمه به ويدعوه إليه . وعلى هذا درج سلف هذه الأمة الصالح قالوا بالدليل وطالبوا بالدليل ونهوا عن الأخذ بشئ من غير دليل ، ثم جاء الخلف الصالح فحكم بالتقليد ، وأمر بالتقليد ، ونهى عن الاستدلال على غير صحة التقليد ، حتى كأن الاسلام خرج عن حده ، أو انقلب إلى ضده . وصار الذين يعلمون أن الاسلام امتاز عن سائر الأديان بإبطال التقليد . وبالمطالبة بالبرهان والدليل ، وعلم الناس استقلال الفكر ، مع المشاورة في الأمر ، يطالبون المسلمين بالرجوع إلى الدليل ، ويعيبون عليهم الأخذ بقال وقيل . ويا ليته كان الأخذ بقال اللّه ، وقيل فيما يروى عن رسول اللّه ، ولكنه الأخذ بقال فلان وقيل عن علان ( 53 : 23
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ )
* * * قال تعالى ردا عليهم
بَلى
وهي كلمة تذكر في الجواب لإثبات نفى سابق فهي مبطلة لقولهم
( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ )
الخ ، أي بلى إنه يدخلها من لم يكن هودا ولا نصارى ، لأن رحمة اللّه ليست خاصة بشعب دون شعب ؛ وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها عملها ، وهو ما بينه سبحانه وتعالى بقوله
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
إسلام الوجه للّه هو التوجه إليه وحده وتحصيص