تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
بالعبادة دون سواه ، كما أشار إلى ذلك في قوله
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
وغيرها من الآيات . وقد عبر هنا عن إسلام القلب وصحة القصد إلى الشئ بإسلام الوجه كما عبر عنه بتوجيه الوجه في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ( 6 : 79
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ )
لأن قاصد الشئ يقبل عليه بوجهه لا يوليه دبره فلما كان توجيه الوجه إلى شئ له جهة تابعا لقصده واشتغال القلب به عبر عنه به وجعل التوجه بالوجه إلى جهة مخصوصة ( وهي القبلة ) بأمر اللّه مذكرا بإقبال القلب على اللّه الذي لا تحدده الجهات ، فالإنسان يتضرع ويسجد للّه تعالى بوجهه وعلى الوجه يظهر أثر الخشوع وظاهر أن المراد من إسلام الوجه للّه توحيده بالعبادة والاخلاص له في العمل ، بأن لا يجعل العبد بينه وبينه وسطاء يقربونه إليه زلفى ، فإنه أقرب إليه من حبل الوريد . ومن هنا يفهم معنى الاسلام الذي يكون به المرء مسلما . ذكر التوحيد والإيمان الخالص ولم يحمل عليه الوعد بالأجر عند اللّه تعالى واستحقاق الكرامة في دار المقامة إلا بعد أن قيده بإحسان العمل فقال
( بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ )
وتلك سنة القرآن تقرن الايمان بعمل الصالحات كقوله ( 4 : 123 ، 124
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً )
وهذا في معنى الآيات التي نفسرها . نفى أماني المسلمين كما نفى أماني أهل الكتاب ، وجعل أمر سعادة الآخرة منوطا بالايمان والعمل الصالح معا . وكقوله ( 21 : 94
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ )
الآية . ثم بعد أن أثبت للمسلم وجهه إلى اللّه والمحسن في عمله الأجر عند اللّه نفى عنه الخوف الذي يرهق الكافرين والمسيئين في هذه الدنيا وفي تلك الدار الآخرة والحزن الذي يصيبهم فقال
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
ولا شك أن المخاوف والأحزان تساور الذين لبسوا إيمانهم بظلم الوثنية ، وأساءوا أعمالهم بالإعراض عن الهداية الدينية . ترى أصحاب النزغات الوثنية في خوف دائم مما لا يخيف ، لأنهم يعتقدون
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 426 | الشيخ محمد رشيد رضا