تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
الآخر . قال الأستاذ الإمام : إن فهم الآية لا يتوقف على هذه الرواية ، فالآية تحكى لنا اعتقاد كل طائفة بالأخرى سواء قال ذلك من ذكر أو لم يقله . على أن ما يروى في أسباب النزول من مثل ذلك هو من تاريخ الآيات وما فيها من الوقائع ، وما روى في أسباب النزول عندنا غير كاف في ذلك ، فلا بد لنا من البحث والاطلاع على تاريخ الملل والأمم التي تكلم عنها القرآن لأجل أن نفهمه تمام الفهم ونعرف ما يحكيه عنهم من العقائد والشؤون والأعمال ، هل كان عاما فيهم أو كان في طائفة منهم وأسند إلى الأمة لما نبهنا عليه مرارا من إرادة تكافلها ومؤاخذة الجميع بما يصدر عن بعض الأفراد لأنهم كلفوا إزالة المنكر والتناهي عنه ؟ والعبرة في الآية أن أهل الكتاب في تضليل بعضهم بعضا واعتقاد كل واحد في الآخر أنه ليس على شئ حقيقي من أمر الدين مع أن كتاب اليهود أصل لكتاب النصارى ، وكتاب النصارى متمم لكتاب اليهود ، قد صاروا إلى حال من التهافت واتباع الأهواء لا يعتد معها بقول أحد منهم في نفسه ولا في غيره ؛ فطعنهم في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإعراضهم عن الايمان به لا ينهض حجة على كونهم علموا أنه مخالف للحق ، بل لا يصلح شبهة على ذلك لأنهم أهل أهواء ، وتعصب للمذاهب المبتدعة والآراء ، فإذا كانت اليهود كفرت بعيسى وأنكرته وهو منهم وهم ينتظرونه لإعادة مجدهم وتجديد عزهم ، وإذا كانت النصارى قد رفضت النوراة وكفرت أهلها وهي حجتهم على دينهم ، فكيف يعتد بكفر هؤلاء وهؤلاء بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو من شعب غير شعبهم ، وقد جاء بشريعة ناسخة لشرائعهم ، وهم لا يفهمون من الدين إلا أنه جنسية دنيوية لهم ؟ وفي الآية إرشاد إلى بطلان التقليد مؤيد لما في الآية التي تطالب المدعى بالبرهان ، وإلى النعي على المقلدين المتعصبين لآرائهم ، المتبعين لأهوائهم ، وإلى التحري في الحكم على الشئ يعتقد الحاكم بطلانه لأنه مخالف لما يعتقده ، فلا ينبغي للعاقل أن يحكم على شئ إلا بعد البحث والتحري ومعرفة مكان الخطأ والتزييل بينه وبين ما عساه يكون معه صوابا . ألم تر أن سياق الآيات ناطق بإنكار حكم كل من الفريقين على الآخر من غير بينة ولا برهان ، ولا فصل ولا فرقان ، مع