أَمانِيُّهُمْ ، قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 112 )
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 113 )
وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ . كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
* * *
هذا بيان لحالين آخرين من أحوال أهل الكتاب في غرورهم بدينهم ما كان المسلمون قبل نزول الآيات يعرفونها - أما الأولى فما بينه تعالى بقوله
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
وهو عطف على قوله
( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ )
أي قالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى كذلك في أنفسهم ، وهو اختصار بديع غير مخل . وهذه عقيدة الفريقين إلى اليوم ولا ينافي انسحاب حكمها على الآخرين ، أن نفرا من الأولين قالوا ذلك بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما يروى . وقد بين لنا تعالى أن هذا القول لا حجة له في كتبهم المنزلة فقال
تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ . قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
والأماني جمع أمنية ، وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه . وهذا القول ناطق بأمنية واحدة ولكنها تتضمن أماني متعددة هي لوازم لها ، كنجاتهم من العذاب وكوقوع أعدائهم فيه وحرمانهم من النعيم ، ولهذا ذكر الأماني بالجمع ولم يقل تلك أمنيتهم . وقد انفرد بهذا الوجه الأستاذ الامام ، وهناك وجوه أخرى وهي أن الإشارة بتلك أمانيهم لقوله
( ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ )
الآية وقوله
( وَدَّ كَثِيرٌ )
وقوله
( وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ )
وقيل : إن في الكلام مضافا محذوفا أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم ، ثم طالبهم تعالى بالبرهان على دعواهم فقرر لنا قاعدة لا توجد في غير القرآن من الكتب السماوية ، وهي أنه لا يقبل من أحد قول لا دليل عليه ، ولا