تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
هذين الركتين من وسائل النصر والسلطان في الدنيا بين لهم أنها من أسباب السعادة في الآخرة ، فقال
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
ولكن البيان جاء في صورة عامة ، وهذا من الأساليب التي لا تكاد تجد لها في غير القرآن نظيرا - ينتقل من بيان حكم إلى آخر ، فيكون الثاني قائما بنفسه وشاملا للأول بعمومه وتكون صلة العموم والخصوص هي الرابط في النظم . وقوله تعالى
( تَجِدُوهُ )
هو كقوله
( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ )
وقالوا : إن المراد أنه يرى ويجد جزاءه ، ولكن لما كان الجزاء مبنيا على أثر العمل في نفس العامل وارتقائها به كان الجزاء بمثابة العمل نفسه . ووصل الوعد بالجزاء على العمل بما يبعث المؤمن على الاحسان فيه ويدل على تحققه ، فقال
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فلا يخفى عليه منه شئ فتخافوا أن ينقصكم من أجوركم شيئا ( الأستاذ الامام ) هذه الآيات هي آخر ما أدب اللّه تعالى به المؤمنين في هذا المقام على ما يخامر البعض منهم وما يعن له من الشبه في مستقبل الاسلام وتأييده تعالى لنبيه وإعزازه لحزبه ، وكان أولها قوله عز وجل
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا )
وكأن منشأ تلك الخواطر هو ما يرونه في التنزيل المرة بعد المرة وما يشاهدونه من عمل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الجزم بأن الأسباب مقرونة بمسبباتها وأن حوادث الكون جارية على سنن مطردة ؛ وما كان هذا الفريق من المؤمنين يعلم قبل إعلام اللّه تعالى إياهم بأن الايمان الصحيح الذي يتوكل صاحبه - بعد اتخاذ الأسباب والوسائل - على القدرة الإلهية والعناية الغيبية ، وعمل الصالحات الذي يصلح النفوس ، ويؤلف مع الاعتقاد بين القلوب ، هما أكبر أسباب القوة ، وأقرب وسائل السيادة والسعادة ، وقد جاء هذا الارشاد والتأديب في سياق الكلام على أهل الكتاب ، لأن مكرهم السىء كان مثارا لبعض الخواطر في المسلمين فالكلام تأديب للمؤمنين ورد على اليهود . ثم انتقل إلى الكلام على أهل الكتاب عامة وما يلام عليه الفريقان منهم - اليهود والنصارى - فقال : * * * ( 111 )
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى . تِلْكَ