تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
بمن كان في عصره من المؤمنين . فهذا كتاب اللّه الذي كان يتلوه عليهم ، وكان يجب الاستماع له والنصات لأجل تدبره ، هو الذي يتلى علينا بعينه لم يذهب منه شئ وهو كلام اللّه الذي به كان الرسول رسولا تجب طاعته والاهتداء بهديه ، فما ه ا الأدب الذي يقابله به الأكثرون ؟ إنهم يلغطون في مجلس القرآن ، فلا يستمعون ولا ينصتون ، ومن أنصت واستمع فإنما ينصت طربا بالصوت واستلذاذا بتوقيع نغمات القارئ ، وإنهم ليقولون في استحسان ذلك واستجادته ما يقولونه في مجالس الغناء ، ويهتزون للتلاوة ويصوتون بأصوات مخصوصة ، كما يفعلون عند سماع الغناء بلا فرق ، ولا يلتفتون إلى شئ من معانيه إلا ما يرونه مدعاة لسرورهم في مثل قصة يوسف عليه السّلام مع الغفلة عما فيها من العبرة وإعلاء شأن الفضيلة ولا سيما العفة والأمانة . أليس هذا أقرب إلى الاستهانة بالقرآن منه بالأدب اللائق الذي ترشد إليه هذه الآية الكريمة وأمثالها ، وتتوعد على تركه بجعله مجاورا للكفر الذي يسوق صاحبه إلى العذاب الأليم ( 23 : 68 ، 69
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ؟ )
* * * ثم قال تعالى
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
يقول تعالى للمؤمنين : إن هؤلاء الذين علمتم شأنهم مع أنبيائهم حسدة ، لا يلتفت إلى تكذيبهم ولا يبالي بعدوانهم ، ولا يضركم كفرهم وعنادهم ، فهم لحسدهم لا يودون أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم ، والقرآن أعظم الخيرات ، لأنه النظام الكامل ، والفضل الشامل ، والهداية العظمى ، والآية الكبرى ، جمع به شملكم ، ووصل حبلكم ، ووحد شعوبكم وقبائلكم ، وطهر عقولكم من نزغات الوثنية ، وزكى نفوسكم من أدران الجاهلية ، وأقامكم على سنن الفطرة ، وشرع لكم الحنيفية السمحة ، فكيف لا يحرق الحسد عليه أكبادهم ويخرج أضغانهم عليكم وأحقادهم ؟ ( أقول ) الود محبة الشئ وتمنى وقوعه ، يطلق على كل منهما قصدا ، وعلى الآخر تبعا . ويكون مفعول الأول مفردا والثاني جملة ، ونفيه بمعنى الكراهة فالمعنى
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 412 | الشيخ محمد رشيد رضا