في الأدب معه صلّى اللّه عليه وسلّم ذنب مجاور للكفر يوشك أن يجر إليه فيجب الاحتراس منه بترك الألفاظ الموهمة للمساواة ، بله الألفاظ المنافية للآداب .
أقول : لا شك أن من يعامل أستاذه ومرشده معاملة المساواة في القول والعمل يقل احترامه له وتزول هيبته من نفسه حتى تقل الاستفادة منه أو تعدم . وإذا لم تزل الاستفادة منه من حيث كونه معلما فإنها تقل وتزول لا محالة من حيث كونه مربيا لأن المدار في التربية على التأسي والقدوة ، ومن أراه مثلي لا أرضاه إماما وقدوة لي . فان رضيته بالمواضعة والتقليد وكذبتني المعاملة فأي قيمة لهذا الرضى والعبرة بما في الواقع ونفس الأمر ، وهو أن من اعتقد أن امرءا فوقه علما وكمالا وأنه في حاجة للاستفادة من علمه وإرشاده ومن أخلاقه وآدابه ، فإنه لا يستطيع أن يساوى نفسه به في المعاملة القولية ولا الفعلية ، إلا ما يكون من فلتات اللسان ومن اللمم ، وعن مثل هذا نهى الصحابة رضى اللّه عنهم لئلا يجرهم الانس به صلّى اللّه عليه وسلّم وكرم أخلاقه إلى اعتداء حدود الأدب الواجب معه الذي لا تكمل التربية إلا بكماله ، وهو تعالى يقول ( 33 : 21
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )
الآية .
( الأستاذ الامام ) إنما كان عدم الاصغاء لما يقوله الرسول عليه الصلاة والسّلام وخطابه خطاب الأكفاء والنظراء مجاورا للكفر ، لأنه يتكلم عن اللّه عز وجل لسعادة من يسمع ويعقل ويأخذ ما يؤمر به بالأدب ويسأل عما لا يفهمه بالأدب ، ومن فاتته هذه السعادة فهو الشقي الذي لا يعدل بشقائه شقاء . ومعنى هذه المجاورة أن سوء الأدب بنحو ما حكى عن اليهود في سورة النساء هو من الكفر الصريح ولذلك قال بعده ( 4 : 46
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ ، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا )
فالألفاظ التي تحاكى الألفاظ التي توعدوا عليها بهذا الوعيد على أنها كفر إذا صدرت من المؤمن غير محرفة ولا مقصودا بها ما كانوا يقصدون تسمى مجاورة لألفاظ الكفر لأنها موهمة وخارجة عن حدود الأدب اللائق بالمؤمنين .
( قال ) إن لمن جاء بعد الرسول حظا من هذا التأديب ، وليس هو خاصا