عمن يعرف هذه اللغة ، وللمفسرين وجوه أخرى في تعليل النهى فعن مجاهد وغيره أن معنى الكلمة « خلاف » والمراد لا نخالفوه كما يفعل أهل الكتاب ، ولكن اعترض على هذا الوجه بأن ليس له شاهد من اللغة . والمعروف في اللغة أن « راعنا » من المراعاة . وهي تقتضى المشاركة في الرعاية أي أرعنا نرعك ، وفي خطاب النبي بذلك من سوء الأدب ما هو ظاهر ، فالنهي عنه تأديب كقوله تعالى ( 49 : 2
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ )
كأنه يقول لا تكونوا كهؤلاء الغلاظ القلوب الذين قصصنا عليكم خبرهم أو الذين عرفتم سوء أدبهم مع الأنبياء ، بل اجمعوا بين الطاعة والأدب .
( قال ) وههنا وجه آخر وهو أنه يقال في اللغة : راعى الحمار الحمر إذا رعى معها ، فيجوز أن اليهود كانوا يحرفون الكلمة بصرفها إلى هذا المعنى فنهى اللّه المسلمين عن هذه الكلمة وشنع على اليهود بإظهار سوء قصدهم فيها . وقد رضوا بصرف اللفظ إلى هذا المعنى وإن كان يتضمن أنهم حمر لأن السباب يسب نفسه كما يسب غيره فهو على حد قول القائل :
اقتلونى ومالكا * واقتلوا مالكا معي
قال تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا
نهاهم تعالى عن كلمة كانوا يقولونها وأمرهم بكلمة خير منها تفيد ما كانوا يريدونه منها .
فكلمة « انظرنا » تفيد معنى كلمة « راعنا » فان فيها معنى الانظار والامهال ويؤيد هذا المعنى قراءة « انظرنا » من الانظار وفيها معنى المراقبة وهو ما يستفاد من النظر بالعين . تقول : نظرت الشئ ونظرت اليه ، إذا وجهت إليه بصرك ورأيته وتقول : نظرته بمعنى انتظرته ومنه ( 36 : 49
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً )
أذن اللّه تعالى لهم بهذه الكلمة « أنظرنا » وأمرهم بالسماع للنبي ليعوا عنه ما يقول من الدين وهو أمر يتضمن الطاعة والاستجابة . ثم ختم الآية بقوله
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ
لبيان أن ما صدر عن اليهود من سوء الأدب في خطاب الرسول هو أثر من آثار الكفر الذي يعذبون عليه العذاب الموجع أشد الايجاع ، وللتنبيه على أن التقصير