أنفسنا التي سجل عليها الحرمان من فهم الكتاب المبين والسنة البيضاء التي وصفها صاحبها بأن ليلها كنهارها أي لا يشتبه فيها أحد ! ! ! هذا ما عليه جماهير المسلمين ، ولم يبعد من قبلهم عن كتاب ربهم أشد من هذا البعد ، وسيعودون إليه بعد حين ، فقد أخذهم العذاب على تركه
( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )
* * *
ثم قال تعالى
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ
أي لو أنهم استبدلوا الايمان بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا السحر الخادع واتباع نزغات الشياطين أو لو آمنوا بكتابهم إيمانا حقيقيا ومنه البشارة بالنبي والامر باتباعه واتقوا بالعمل به والمحافظة على حدوده مغبة ما ينتظره المجرمون من العقوبة على العصيان - لكان ثواب اللّه لهم على الايمان الصحيح والعمل الصالح خيرا لهم من جميع ما توهموه في المحالفة من المنافع . ثم قال
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
أي إنهم في كل ما هم عليه من الأباطيل ، ومن زعمهم أنها ترجع إلى الكتاب بضروب من التأويل ، يتبعون الظنون ويعتمدون على التقليد ، وليسوا على شئ من العلم الصحيح - ولو كانوا يعلمون علما صحيحا لظهر أثره في أعمالهم ولآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم واتبعوه فكانوا من المفلحين
ومن مباحث اللفظ في الآيات : أن بابل بلدة قديمة كانت في سواد الكوفة ( قبل الكوفة ) في أشهر أقوال المفسرين ، ويؤخذ من بعض كتب التاريخ أنها كانت في الجانب الشرقي من نهر الفرات بعيدة عنه ، ويقال إن أصل اشتقاقها في العبرانية يدل على الخلط ، إشارة إلى ما يرويه العبرانيون من اختلاط الألسنة هناك .
وهاروت وماروت اسمان أعجميان ، ولو كانا مشتقين من الهرت والمرت كما زعم بعضهم لما منعا من الصرف . و « من » في قوله تعالى
( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ )
لاستغراق النفي وتأكده ، وقد شدد الأستاذ الامام كعادته الانكار على من قال إنها زائدة ، وقال إنما الزائدة ما يذكر للتحلية ولا يكون له معنى ما وفاقا لكثير من المفسرين .
والمثوبة الثواب و ( لمثوبة ) خبر ( لو ) قال الأستاذ : أي لكانت مثوبة من اللّه خيرا .
وقد قدروا لها فعلا فقالوا : الأصل لأثيبوا مثوبة ، فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية ليدل على ثبات المثوبة ، ونكرت لبيان أنها مهما قلت فهي خير لهم ، وأصلها الثوب بمعنى الرجوع ، كان المحسن يثوب إلى من أحسن إليه بعد الاعراض