تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
وبما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال وكان متكئا « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الاشراك باللّه وعقوق الوالدين - ثم قعد فقال - ألا وقول الزور وشهادة الزور » فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت . وبما روياه من حديث أبي هريرة مرفوعا أيضا « آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان » وفي رواية لغيرهما « ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إنه مسلم » وذكرهن - بلى إنه عالم بكل ذلك ولكنه التأويل أفسد على كل أهل دين دينهم . أقول : أشار الأستاذ الامام إلى ما كان من إقدام هذا العالم العابد على شهادة الزور واستحلالها بتلك الحيلة السخيفة وذكر أمثلة أخرى وقد تذكرت عند كتابة الحديث في المنافقين أن بعض شيوخ الارهر المعروفين كان وعدني وعدا وأخلف فسألته به فقال : إن فقهاءنا الحنفية قالوا بأن الوفاء بالوعد غير واجب ، فقلت وقد تميزت من الغيظ : إن من يقول هذا القول بعد ما ورد من النصوص الصريحة في الوفاء وفي الوعيد على تركه فهو مخطىء وقوله مردود كما ورد في الصحيح ( بل قلت أكثر من هذا ) وانني أبرىء الأئمة من القول بحل إخلاف الوعد من غير عذر صحيح ولكنني أعذر الفقهاء إذا قالوا بأنه ليس للقاضي أن يحكم على من وعد بالوفاء ويلزمه ذلك إلزاما ، ولا أعذر من يقول إن الوفاء مستحب وتركه جائز وإن كان هو المعروف في أكثر كتب الفقه المتداولة . ولقد صار العالم المسلم عاجزا في أكثر بلاد المسلمين عن إنكار ما يخالف هدى الكتاب والسنة من كتب الميتين لا سيما إذا اشتهروا باختيار كتبهم للتدريس . وحجة هؤلاء المقلدين على نصر كتب الميتين وترجيحها على كتاب اللّه وسنة رسوله هي أن القادرين على الاهتداء بهما قد انقرضوا فوجب على المسلمين ترك العمل بهما والاعتماد على كتب العلماء المتأخرين الذين استنبطوا من قواعد أئمتهم جميع مسائل الدين ، فعلينا أن نأخذ بكل ما قالوا ، وأن لا ننظر في الكتاب والسنة إلا للتبرك بهما ، فان رأينا خلافا بين قول اللّه ورسوله وقول الفقيه لا يحتمل التأويل فعلينا أن نتهم عقولنا وأفهامنا وننزه فهم الفقيه الميت وعقله ونعمل بقوله مكابرين
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 407 | الشيخ محمد رشيد رضا