تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
بحث الإنسان واشتغاله بالعلم لأنه من الأمور الكسبية ، ولو بين مسائلها بالنص القاطع لجاءت مخالفة لعلم الناس واختبارهم في كل جيل لم يرتق العلم فيه إلى أعلى درجة ، ولكانت تلك المخالفة من أسباب الشك أو التكذيب فإننا نرى من الناس من يطعن في كتب الوحي لتفسير بعض تلك الأمور المجملة بما يتراءى لهم وإن تكن نصا ولا ظاهرا فيه ، ويزعمون أن كتاب الدين جاء مخالفا للعلم وان كان ذلك الذي يطلقون عليه اسم العلم ظنيا أو فرضيا في ( الملكين ) قراءتان فتح اللام وكسرها ، فالأولى قراءة الجمهور والثانية قراءة ابن عباس والحسن وأبى الأسود والضحاك . وحمل بعضهم قراءة الفتح على قراءة الكسر ويؤيده ما قبل إن المراد بهما داود وسليمان عليهما السّلام . وقيل بل هما رجلان صاحبا وقار وسمت فشبها بالملائكة ، وكان يؤمهما الناس بالحوائج الأهلية ويجلونهما أشد الاجلال فشبها بالملوك ، وتلك عادة الناس فيمن ينفرد بالصفات المحمودة يقولون : هذا ملك وليس بإنسان كما يقولون فيمن كان سيدا عزيزا يظهر الغنى عن الناس من حيث يحتاجون إليه : هذا سلطان زمانه . جلت حكمة اللّه في خلقه فقد قدّ هؤلاء الآدميين من أديم واحد ، كان الناس على عهد هاروت وماروت - اللذين كان يتحدث بخبرهما ولا يحدد تاريخهما - على مثالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شؤونهم الأهلية من الجهة الروحانية إلا إلى أهل السمت والوقار اللابسين لباس أهل التقوى والصلاح ؛ هذا ما نشاهدهم عليه في زماننا وهذا ما حكى اللّه تعالى عنهم في الزمن القديم ، وقال الأستاذ الامام : لعل اللّه تعالى سماهما ملكين ( بفتح اللام ) حكاية لاعتقاد الناس فيهما وأجاز أيضا كون إطلاق لفظ الملكين عليهما مجازا كما قال بعض المفسرين . قال تعالى في اليهود
( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ )
والظاهر من العطف أن ما أنزل عليهما هو غير السحر ضم إليه لأنه من جنسه في كون تعليمه سيئة مذمومة أو هو لتغاير الاعتبار أو النوع . وليس معنى الانزال عليهما أنه وحى من اللّه كوحيه للأنبياء فيشكل عده من الشر والباطل الذي يذم تعلمه ، فان كلمة أنزل تستعمل في مواضع لا صلة بينها وبين وحى الأنبياء . قالوا : أنزلت حاجتي على كريم ، وانزل لي عن هذه الأبيات :