على حسن اعتقاد الناس بفضلهما إذ كانوا يقولون هما ملكان . واننا نسمع الدجاجلة الذين ينتحلون مثل هذا ويوهمون الناس أنهم روحانيون يقولون لمن يعلمونهم الكتابة للمحبة وللبغض نوصيك بأن لا تكتب هذا لجلب امرأة متزوجة إلى حب رجل غير زوجها ، ولا تكتب لأحد الزوجين بأن يبغض الآخر ، وأن تخص هذه الفوائد بالمصلحة كالحب بين الزوجين ، والتفريق بين العاشقين الفاسقين ، وإنما يقولون هذا ليوهموا الناس أن علومهم إلهية ، وأن صناعتهم روحانية ، وأنهم صحيحوا النية . وقد كان اليهود يسندون سحرهم إلى ملكين ببابل وترى دجاجلة المسلمين من المغاربة وغيرهم يسندون خز عبلاتهم إلى « دانيال النبي » وهذا المعنى يصح على القول بأن قوله « وما أنزل » نفى بحسب توجيهنا السابق وقال البيضاوي إن معناه على وجه النفي : إنما نحن مفتونون فلا تكن مثلنا .
قال تعالى
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
صيغة المضارع في هذه الجملة وما قبلها لتصوير ما كان كأنه كائن فالكلام تصوير للقصة لا حكم بمضمونها أي أنهم كانوا يتعلمون منهم ما وضع لأجل التفريق بين الزوجين وهو نحو ما يسميه الدجاجلة الآن « كتاب البغضة » وليس في العبارة ما يدل على أن ما يتعلمونه لهذا الغرض هو مؤثر فيه بطبعه أو بسبب خفى أو بخارقة لا تعقل لها علة ولا أنه غير مؤثر ، وليس فيها بيان لما يتعلمونه هل هو كتابة تمائم ، أو تلاوة رقى وعزائم ، أو أساليب سعاية ، أو دسائس تنفير ونكاية ، أو تأثير نفساني أو وسواس شيطانى ؟ وأي شئ من ذلك ثبت علما كان تفصيلا لما أجمله القرآن في الواقع . ولا يجوز لنا أن نتحكم بتفصيل ما أجمله القرآن فنحمله على أحد ما ذكر أو على غيره . ولو علم اللّه أن الخير لنا في بيان ذلك لبينه كما قلناه في مثله مرارا
لم يبين القرآن ذلك الإجمال ولا حقيقة ذلك العلم لأنه موكول إلى بحث البشر وارتقائهم في العلم كما تقدم ، ولكنه لم يهمل ما يتعلق بالعقائد وبيان الحق فيها ولذلك قال بعد حكاية السحر عنهم
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
أي أنهم ليس لهم قوة غيبية وراء الأسباب التي ربط اللّه بها المسببات فهم يفعلون بها ما يوهمون الناس أنه فوق استعداد البشر ، وفوق ما منعوا من القوى والقدر ،