تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
فإذا اتفق أن أصيب أحد بضرر من أعمالهم فإنما ذلك باذن اللّه أي بسبب من الأسباب التي جرت العادة بان تحصل المسببات من ضر ونفع عند حصولها باذن اللّه تعالى . وهذا الحكم التوحيدي هو المقصد الأول من مقاصد الدين فالقرآن لا يترك بيانه عند الحاجة بل يبينه عند كل مناسبة وربما ترد في القرآن قصة مثل هذه القصة لأجل بيان الحق في مسألة اعتقادية كهذه المسألة لان ايراد الاحكام في سياق الوقائع أوقع في النفس وأعصى على التأويل والتحريف ثم قال بعد نفى القوة التي وراء الأسباب عنهم
وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
يضرهم لأنه سبب في الاضرار بالناس وهو محرم يعاقب اللّه تعالى عليه في الآخرة ومن عرف بايذاء الناس يمقته الناس ويكونون عليه . ولما كان بعض الضار من جهة نافعا من جهة أخرى وربما كانت منفعته أكبر من إثمه نفى المنفعة بعد اثبات المضرة ، فهذا النفي واجب في قانون البلاغة لا بد منه . وقد صدق اللّه تعالى فإننا نرى منتحلي السحر وما في معناه أفقر الناس وأحقرهم ، ولو عقل السفهاء الذين يختلفون إليهم يلتمسون المنافع لأنفسهم والايقاع بأعدائهم لعلموا أن الشقي في نفسه لا يمكن أن يهب السعادة لغيره ، لان فاقد الشئ لا يعطيه . هذه حالهم في الدنيا فكيف يكونون في الآخرة يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ؟ لا جرم أنها تكون حالا سوءى واليهود يعلمون ذلك كما قال
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
أي إنهم يعلمون أن من اختار هذا واستبدله بما آتاه اللّه من أصول الدين الحق وأحكام الشريعة العادلة الموصلين إلى سعادة الدنيا والآخرة فليس له نصيب في نعيم الآخرة ، وذلك أن التوراة قد حظرت تعليم السحر وجعلته كعبادة الأوثان وشددت العقوبة على فاعله وعلى اتباع الجن والشياطين والكهان ، ولا ينافي هذا العلم قوله
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
فان العلم علمان - علم تفصيلي متمكن من النفس متسلط على إرادتها يحركها إلى العمل ، وعلم اجمالي خيالي يلوح في الذهن مبهما عندما يعرض ما يذكر به ككتاب وإلقاء سؤال ، وهو يقبل التحريف والتأويل ، وليس له منفذ إلى الإرادة ولا سبيل ، فقد كانوا يستحلون أكل السحت كالرشوة والربا بالتأويل كما يفعل غيرهم اليوم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 405 | الشيخ محمد رشيد رضا