تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
وقد اختلف المتكلمون والمفسرون والفقهاء في حقيقة السحر وفي أحكامه وعده بعضهم من خوارق العادات ، وفرقوا بينه وبين المعجزة ، ولم يذكروا في فروقهم أن السحر يتلقى بالتعليم ويتكرر بالعمل فهو أمر عادى قطعا بخلاف المعجزة ( قال الأستاذ الامام ) في قوله تعالى
( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ )
وجهان ( أحدهما ) أنه متصل بقوله
( وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا )
أي ان الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر ( والثاني ) وهو الأظهر أنه متصل بالكلام عن اليهود وان الكلام في الشياطين قد انتهى عند القول بكفرهم . وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورا في زمن التنزيل ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم . أي إن فريقا من اليهود نبذوا كتاب اللّه واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وههنا يقول القائل : بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه ؟ فأجاب على طريق الاستئناف البياني
( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ )
الخ ، ونفى الكفر عن سليمان . وإلصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض فعلم أيضا أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية أيضا . وانما كان القصد إلى وصف اليهود بتعليم السحر لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ويضرون بها الناس خداعا وتمويها وتلبيسا ثم قال :
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ
فأجمل بهذه العبارة الوجيزة خبر قصة كانوا يتحدثون بها كما أجمل في ذكر تعليم السحر فلم يذكر ما هو ؟ . أشعوذة وتخييل ؛ أم خواص طبيعية ، وتأثيرات نفسية ؟ وهذا ضرب من الاعجاز في الايجاز انفرد به القرآن - يذكر الأمر المشهور بين الناس في وقت من الأوقات لأجل الاعتبار به فينظمه في أسلوب يمكن لكل أحد أن يقبله فيه مهما يكن اعتقاده لذلك الشئ في تفصيله ، ألا ترى كيف ذكر السحر هنا وفي مواضع أخرى بأساليب لا يستطيع أن ينكرها من يدعى أن السحر حيلة وشعوذة أو غير ذلك مما ذكرناه ولا يستطيع أن يردها من يدعى أنه من خوارق العادات ؟ والحكمة في ذلك أن اللّه عز وجل قد وكل معرفة هذه الحقائق الكونية إلى « تفسير القرآن الحكيم » « 26 » « الجزء الأول