وذكر هنا في الكلام عن اليهود . وإذا أردنا فهمه من عرف اللغة وجدنا أن السحر عند العرب كل ما لطف مأخذه ودق وخفى ، وقالوا سحره وسحّره بمعنى خدعه وعلله ، وقالوا عين ساحرة وعيون سواحر ، وفي الحديث الصحيح « إن من البيان لسحرا » والسحر بالفتح وبالتحريك الرئة وهي أصل هذه المادة والرئة في الباطن فما لطف مأخذه ودق صنعه حتى لا يهتدى إليه غير أهله فهو باطن خفى ومنه الخداع وهو أن يظهر لك شيئا غير الواقع في نفس الأمر فالواقع باطن خفى ، وتأثير العيون في عشاق الحسان ، والكلام البليغ في عشاق البيان ، مما يخفى مسلكه ويدق سببه ، حتى يعسر على أكثر الناس الوقوف على العلة في تأثيره .
وقد وصف اللّه السحر في القرآن بأنه تخييل يخدع الأعين فيريها ما ليس بكائن كائنا فقال
( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى )
والكلام في حبال السحرة وعصيهم وفي آية أخرى
( سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ )
وفي هذه الآية التي نفسرها أن السحر كان يؤخذ بالتعليم والتاريخ يشهد بهذا ، وقد كان المصريون يطلقون لقب الساحر على العالم كما يؤخذ من قوله تعالى
( وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ )
ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة ، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرا لخفاء سببه ولطف مأخذه ، ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الانسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة . وقد قال المؤرخون إن سحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصى بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى
وقد اعتاد الذين اتخذوا التأثيرات النفسية صناعة ووسيلة للمعاش أن يستعينوا بكلام مبهم وأسماء غريبة اشتهر عند الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجان وأنهم يحضرون إذا دعوا بها ويكونون مسخرين للداعي . ولمثل هذا الكلام تأثير في إثارة الوهم عرف بالتجربة ، وسببه اعتقاد الواهم أن الشياطين يستجيبون لقارئه ويطيعون أمره ، ومنهم من يعتقد أن فيه خاصية التأثير وليس فيه خاصية وانما تلك العقيدة الفاسدة تفعل في النفس الواهمة ما يغنى منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته . وهذا هو السبب في اعتقاد الدهماء أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب