ويقال : قد أنزل الصبر على قلب فلان : وقال تعالى ( 57 : 25
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ )
وقال ( 9 : 26
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ )
ولعل التعبير عما أوتياه من العلم بالانزال لأنه لم يكن يعرف له مأخذ غيرهما يراد أنهما ألهماه إلهاما واهتديا إليه من غير أستاذ ولا معلم . ويصح أن يسمى مثل هذا وحيا لخفاء منبعه وليس الوحي وإلهام الخواطر خاصا في عرف اللغة ولا عرف القرآن بالأنبياء ولا بما يكون موضوعه خيرا أو حقا فقد قال تعالى ( 16 : 68
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )
وقال ( 28 : 7
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ )
وقال
( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً )
وقال الشاعر :
رأس الغواية في العقل السقيم فما * فيه فأكثره وحى الشياطين
وذكر ابن جرير الطبري وجها آخر في تفسير
( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ )
ونقله كثير من المفسرين وهو أن ( ما ) نافيه أي إن اليهود يعلمون الناس السحر ويرتقون بسنده إلى الملكين ببابل ، وما أنزل السحر على الملكين فكيف كانوا يعلمونه بني إسرائيل ؟ وقد ضعفوه بأن الثابت في الواقع أن بني إسرائيل كانوا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين . وقد أجاز هذا التضعيف الأستاذ الإمام . على أنه يمكن أن يراد به نفى الانزال خاصة أي أن ذلك السحر الذي ينسبونه إلى الملكين لم ينزل عليهما إنزالا من اللّه فينظمه اليهود في سلك العلوم المحمودة ويزعمون أنه حق وإنما هو شئ افتجراه واخترعاه من عند أنفسهما
ثم قال
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
أي إن ما عندنا هو أمر يبتلى به اللّه الناس ويختبرهم فلا تتعلم ما هو كفر . فان أصر علماه هذا ما عليه الجمهور واقتصر عليه الأستاذ الإمام في الدرس . وقال البيضاوي : وما يعلمان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له : إنما نحن ابتلاء من اللّه فمن تعلم منا وعمل به كفر ، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان ، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به ، وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور وإنما المنع من اتباعه والعمل به ا ه ويجوز أن يكون المعنى إنما نحن أو لو فتنة نبلوك ونختبرك أتشكر أم تكفر وننصح لك بأن لا تكفر . ولعلهما يقولان هذا للمحافظة