تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
تحت كرسيه ثم استخرجها الناس وتناقلوها . وفي رواية أخرى أنه انما دفن تحت كرسيه كتبا أخرى في العلوم فلما استخرجت أشاع الشياطين أنها كتب سحر ، وأنشأ الدجالون بعد ذلك ينتحلون ما شاءوا وينسبونه إلى تلك الكتب . ولا شك أن ما قالوه على سليمان وملكه من خبر السحر والكفر مكذوب افتراه أهل الأهواء وقد قصه اللّه تعالى علينا لنعتبر بما افتراه هؤلاء الناس على الأنبياء ، وبترجيح فريق من خلفهم الاشتغال بذلك على الاهتداء بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى إنهم نبذوا كتابهم الذي بشر به وراء ظهورهم ومن البديهي أن ذكر القصة في القرآن لا يقتضى أن يكون كل ما يحكى فيها عن الناس صحيحا فذكر السحر في هذه الآيات لا يستلزم اثبات ما يعتقد الناس منه كما أن نسبة الكفر إلى سليمان التي علمت من النفي لا تستلزم أن تكون صحيحة لأنها ذكرت في القرآن ولو لم يكن ذكرها في سياق النفي ( قال الأستاذ الإمام ما مثاله ) بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين ، وإنه ليحكى من عقائدهم الحق والباطل ، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب ، ومن عاداتهم النافع والضار ، لأجل الموعظة والاعتبار ، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية ، ولا بدّ أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح . وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله
( كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ )
وكقوله
( بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ )
وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية . ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء ، ولا يعتقدون ذلك وانما يعبرون به عن المرئى جاء ذكر السحر في مواضع متعددة في القرآن وأكثره في قصة موسى وفرعون