تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
باعتبار ما يؤمن به من أصول الدين وأحكام الشريعة ، وبالنسبة إلى اليقين في الإيمان ، وتحكيمه في الفكر والوجدان ولقد كان القوم يؤمنون بالشريعة في الجملة وكما تعطيه ظواهر الألفاظ ، ولكنهم لم يلبسوها مفصلة تفصيلا ، ولم يفقهوا حكمها وأسرارها ، فلم يكن لها سلطان على قلوبهم ، ولم تكن هي المحركة لإرادتهم في أعمالهم ، وإنما كان يحركها الهوى والشهوة ، ويصرفها عامل اللذة ، فالايمان إنما كان عندهم قولا باللسان ، ورسما يلوح في الخيال ، تكذبه الأعمال ، وتطمسه السجايا الراسخة والخلال ، وهذا هو الإيمان الذي لا قيمة له عند اللّه تعالى . ومن العجب أن نرى آيات القرآن تبطله بالحجج القيمة ، والأساليب المؤثرة ، وأهل القرآن عن ذلك غافلون ، فقليلا ما يعتبرون ويتذكرون . ومن مباحث اللفظ في الآية : أن كثيرا من المفسرين يزعمون أن « ما » زائدة وما هي بزائدة وفاقا لابن جرير الطبري ، وجل القرآن أن يكون فيه كلم زائدة وانما تأتى « ما » هذه لإفادة العموم تارة ولتفخيم الشئ تارة ، ويقول ابن جرير إنما يؤتى بها في مثل هذا المقام كمبتدأ كلام جديد يفيد العموم كأنه قال : فايمانا قليلا ذلك الذي يؤمنون به : وأما التي لتفخيم الشئ فكقوله تعالى ( 3 : 159
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ )
أي فبسبب رحمة عظيمة الشأن خصك اللّه بها لنت لهم على ما لقيت منهم ، وقد بين تعالى هذه الرحمة بقوله في وصفه صلّى اللّه عليه وسلّم ( 9 : 128
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )
وقوله ( 21 : 107
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ )
هذا ما اختاره الأستاذ الإمام في تفسير قوله تعالى
( فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ )
وهناك وجه آخر أورده ابن جرير في تفسيره ، وهو أنه لا يؤمن بالنبي وما جاء به إلا قليل منهم . والاستدراك على هذا الوجه أظهر ، فإنه لما بين أن كفرهم المستقر ، وعصيانهم المستمر ، كانا سببا في لعنهم وإبعادهم ، كان للوهم أن يذهب إلى أنهم قوم قد سجل عليهم الشقاء وعمهم حتى لا مطمع في إيمان أحد منهم ، فجاء قوله تعالى
( فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ )
يبين أن هذا الوهم لا يصح أن ينطلق على إطلاقه ، وأن تأثير ما ذكر في مجموع الشعب لم يستغرق أفراده استغراقا ، وإنما غمر الأكثرين ، ويرجى أن