بالجنسية ، وبما كان لكل من الرؤساء والمرءوسين من المنافع المتبادلة في المحافظة عليها ، فهذا كله يعد ثمنا لأنفسهم التي خسروها بالكفر حتى كأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع . وذكر ابن جرير وجها آخر وهو أن
« اشْتَرَوْا »
هنا بمعنى ابتاعوا ، أي إنهم جعلوا أنفسهم ثمنا للكفر الذي ذكرت علته آنفا . وفيه من الزيادة على معنى المعاوضة في الوجه الأول أنهم قد أنقذوا أنفسهم بذلك الكفر ، أي أنهم يزعمون ذلك ويدعونه في الظاهر ، وإن كانوا في الباطن قد عرفوا أن ما جاءهم هو الحق الذي كانوا ينتظرون ، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يكتمون .
وقد فهم مما تقدم معنى قوله تعالى
بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
فهو تعليل لكفرهم لا لشرائهم ، أي كفروا به لمحض البغى الذي أثاره الحسد كراهة أن ينزل اللّه الوحي من فضله بمقتضى مشيئته ، وأي بغى أقبح من بغى من يريد أن يحجر على فضل اللّه ويفيد رحمته فلا يرضى منه أن يجعل الوحي في آل إسماعيل كما جعله في آل أخيه إسحاق ؟ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ينزل ) بالتخفيف من الإنزال والباقون بالتشديد من التنزيل . وأما قوله
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ
فهو الغضب الذي استوجبوه حديثا بالكفر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوق ذلك الغضب الذي لحقهم من قبل بإعنات موسى عليه السّلام والكفر به ، وقد ذكر في قوله ( : 113
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ )
ثم توعدهم بعد الغضب المزدوج فقال
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ
أي مقرون بالإهانة والإذلال ، وبذلك صار بمعني الآية السابقة ، فكأن الجزاء واحد تكرر بتكرر الذنب . وقال
( وَلِلْكافِرِينَ )
ولم يقل ( ولهم ) لما في المظهر من بيان التعليل بالوصف الذي سجله عليهم كما تقدم آنفا وهذا العذاب مطلق يشمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وقد تقدم أن ذنوب الأمم تتبعها عقوبتها في الدنيا لأنها أثر طبيعي لها ، وإنما جعلها اللّه كذلك لتكون عبرة يتأدب المتأخرون بما أصاب منها المتقدمين . وكذلك الحال في عقوبة الآخرة بالنسبة إلى الأفراد ، فإن عذاب كل شخص إنما يكون بحسب تأثير الجهل في عقله وفساد الأخلاق وسوء الأعمال في نفسه .
اعتذر بعض اليهود في عصر التنزيل عن عدم الإيمان به بأن قلوبهم غلف