تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
يأمن معها التلبيس فيما يلقى إليه ، قال تعالى في القرآن
( نَزَلَ
26 : 193 ، 194
بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ )
( ثم قال الأستاذ ) : ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بروح القدس الملك المسمى بجبريل الذي ينزل على الأنبياء ، ومنه يستمدون الشرائع عن اللّه تعالى وهو على حد قولهم « حاتم الجود » وذكر بعضهم وجها آخر وهو أن المراد بها روح عيسى نفسه ، ووصفها بالقداسة والطهارة بمعنى إعاذته من الشيطان أن يكون له حظ فيه ، أو لأنه أنزل عليه الإنجيل بالتعاليم التي تقدس النفوس ، بل قال بعضهم : إن روح القدس هو الإنجيل ، والمراد من الكل واحد ، وهو أن اللّه تعالى أرسل إليهم عيسى بعد ظهور رسل كثيرين فيهم بعد موسى وأعطاه ما لم يعط كل رسول من أولئك الرسل من الوحي أو من قوة الروح ، وزكاء النفس ومكارم الأخلاق ، ونسخ بعض الأحكام ، وقد كان حظه مع ذلك منهم كحظ سابقيه الذين لم يؤتوا من المواهب مثل ما أوتى ماذا كان حظ أولئك الرسل من بني إسرائيل ؟ كان حظهم منهم ما أفاده الاستفهام التوبيخى في قوله
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ
فاتبعتم الهوى وأطعتم الشهوات ، وعصيتم الرسل واحتميتم عليهم أن أنذروكم ودعوكم إلى أحكام كتابكم
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
كان المعهود في التخاطب وكلام الناس أن تذكر هذه المساوىء ثم يوبخون عليها ، ولكن طواها في الخطاب وأدمجها في الاستفهام لتفاجىء النفوس بقوة التشنيع والتقبيح ، وتبرز لها في ثوب الانكار والتوبيخ ، وفي ذلك الايماء إلى أن هذه المعاملة السوءى مما لا يخفى خبرها ، ولا تغيب عن الانكار صورها ، فلا ينبغي الالماع إليها ، إلا في سياق تقريع مجترحيها ، وهذا من إيجاز القرآن ، الذي لا يعرج إليه فكر الإنسان ، وانظر كيف أورد خبر القتل بصيغة المضارع التي تدل على الحال لاستحضار تلك الصورة الفظيعة وتمثيلها للسامع حتى يمثلها في الخيال ، وإن مرت عليها القرون والأحوال لأنها أفاعيل لا تخلق جدتها ، ودماء لا تطير رغوتها ، وإن مثل هذا التعبير ليمثل