تلك الصورة المشوهة لأن الالفاظ إذا قرعت الذهن بمفهومها يتناول الخيال ذلك المفهوم ويصوره بالصورة اللائقة به ، فيكون له من التأثير ما يناسبه .
قتلوا من الأنبياء المرسلين زكريا ويحيى عليهما السّلام ، ويروى أنهم قتلوا في يوم واحد مائة وخمسين نبيا ، فان صح هذا فالمراد بأولئك الأنبياء من كانت نبوتهم محصورة في الدعوة إلى إقامة التوراة ، ودليلها محصورا في الإنباء ببعض المغيبات وكان هذا الفريق منتشرا في أسباط بني إسرائيل وكثيرا بكثرتهم .
* * *
وفي هذه الآية حجتان للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم - حجة على بني إسرائيل وحجة على الذين يعجبون لعدم إيمانهم به وإجابتهم دعوته ، وبيان أن المجاحدة والمعاندة من شأنهم ومما عرف من شنشنتهم ، وناسب بعد هذا أن يذكر ما كانوا يعتذرون به عن الايمان به ، والاهتداء بكتابه ، بعد تقرير الدعوة ، وإقامة الحجة ، فقال
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
الغلف بضم وسكون وبضمتين جمع أغلف ، وهو ما يحيط به غلاف يمنع أن يصيبه شئ . والمراد أننا لا نعقل قولك ولا ينفذ إلى قلوبنا مفهوم دعوتك فهو بمعني قوله تعالى
( وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ )
وقد رد اللّه تعالى عليهم بما يشعر بكذبهم وعنادهم فقال
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
أي أن قلوبهم ليست غلفا لا تفهم الحق بطبعها ، وإنما أبعدهم اللّه تعالى من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء السابقين ، وبالكتاب الذي تركوا العمل به وحرفوه اتباعا لأهوائهم ، فهم قد أنسوا بالكفر وانطبعوا عليه ، فكان ذلك سببا في حرمانهم من قبول الرحمة الكبرى بإجابة دعوة خاتم النبيين . هذا هو معنى اللعن وقد ذكرت معه علته ليعلم أنه جرى على سنة اللّه تعالى في الأسباب والمسببات وأن اللّه لم يظلمهم بهذا ، وإنما ظلموا أنفسهم بالكفر الذي يستتبع الكفر ، والعصيان الذي يجر إلى التمادي في العصيان ، كما هي السنة في أخلاق الإنسان . ولما ذكر اللعن معللا بالكفر الذي هو نتيجة تأثير أعمالهم السابقة في أنفسهم ، وكان مما يخطر بالبال أن أولئك القوم لم يكونوا كافرين ، بل مؤمنين باللّه وكتابه ورسله إليهم ، استدرك فقال
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
وإنما القلة في الإيمان