( أقول ) روى محمد بن إسحاق عن أشياخ من الأنصار أن هذا نزل فيهم وفي يهود المدينة ، قالوا : كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب وهم يقولون إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه نقتلكم معه قتل عاد وإرم الخ وروى الضحاك عن ابن عباس في تفسير
( يَسْتَفْتِحُونَ ) :
يستنصرون يقولون نحن نعين محمدا عليهم الخ وتتمته في تفسير العماد ابن كثير . وشذ بعضهم كالبغوي في تفسيره فقال إنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدو : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة والإنجيل - فكانوا ينصرون وفيه روايات ضعيفة عن ابن عباس لم يعرج ابن كثير على شئ منها ، ولعله لأنها على ضعف روايتها ومخالفتها للروايات المعقولة شاذة المعنى بجعل الاستفتاح دعاء بشخص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفي بعض الروايات « بحقه » وهذا غير مشروع ولا حق لأحد على اللّه فيدعى به كما قال الإمام أبو حنيفة وغيره . وكذلك فعل ابن جرير لم يذكر شيئا من روايات الدعاء بحقه والاستنصار بشخصه ، بل ذكر عدة روايات في أنهم كانوا يدعون اللّه بأن يبعثه ليقتل المشركين وفي بعضها أنهم كانوا يرجون أن يكون منهم . والكلام هنا في مجىء الكتاب لا في مجىء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي يأتي ذكر مجيئه قريبا ، على أنهما متلازمتان
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
أعاذ فلما جاءهم وهي عين الأولى لطول الفصل ووصل به الجواب وهو
« كَفَرُوا بِهِ »
ذلك أنه راعهم كونه بعث في العرب فحسدوه فحملهم الحسد على الكفر به جحودا وبغيا ، فسجلت عليهم اللعنة التي أصابتهم بكفرهم الأول بأن الكفر صار وصفا لازما لهم ولذلك قال
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
ولم يقل عليهم لأن المظهر أبلغ وأعم وأشمل
* * *
ثم ذكر علة هذا الكفر وسببه وبين فساد رأيهم فيه بقوله
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
أي بئس شيئا اشتروا به أنفسهم هو كفرهم بما أنزل اللّه مصدقا لما معهم ، كما كانوا ينتظرون . شرى الشئ واشتراه يستعمل كل منهما بمعنى باع الشئ ، وبمعنى ابتاعه ، لأن الحرف يدل على المعاوضة . وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن
« اشْتَرَوْا »
هنا بمعنى باعوا أي إنهم بذلوا أنفسهم وباعوها بما حرصوا عليه من الكفر بغيا وحسدا للنبي ، وحبا في الرياسة واعتزازا